الجمعة، 16 سبتمبر، 2011

ما فعلته نشرة السادسة.


حقوق الصورة محفوظة لصاحبها، اللي أنا مش عارفه.


كنت في طريقي إلى المنزل راكبا سيارة تاكسي شاهين متهالكة تصدر أصواتاً شبيهة بصوت شخص يحتضر، سائق السيارة إنسان عجوز تبدو على ملامح وجهه السكينة والاحترام، لم يتحدث معي – على عكس عادة سواقين التاكسي – سوى عندما انتهت نشرة أخبار السادسة من راديو مصر التي جاءت كما تأتي كل يوم.

"نشرة أخبار السادسة.. من عناوين النشرة لهذا اليوم.. مقتل خمسة فلسطينيون وإصابة العشرات في اشتباكات بين الفلسطينيون والجيش الإسرائيلي ..."
"مقتل سبعة وإصابة إثنين في إنفجار قنبلة في رام الله، الأمر الذي أسفر ...... إلخ"

كعادة نشرة السادسة، تهِل علينا بأسوأ الأخبار لمدة خمسة دقائق، بعدها تنقلنا في أجواء فيلم عمر وسلمى بأغاني ساذجة ككل أغاني هذا العصر.
عندما بدأت موسيقى أغنية جديدة لإيهاب توفيق، أغلق السائق الراديو في عصبية.
نظرت إليه فوجدت عيناه وقد تحولتا للون الدم والدموع توشك أن تفر هاربة منهما.
أسأله بلا اكتراث حقيقى عن سبب بكاؤه، مجرد مشاركة وجدانية لدموعه التي أراها في عينيه بلا سبب واضح، يقول لي وهو يمسحها ويأخذ نفسا يسحب معه ما قد يهرب من أنفه :
"مش سامع يا بني الأخبار ؟"
" أيوة سامع.. فيها إيه يعني ؟"
" يعني إيه فيها إيه؟؟!.. هما يموتوا كده واحنا منعملش حاجة؟"

آه.. يا دي الليلة اللي مش فايتة..
 ظننت أنه سيدخل في تلك المواضيع السياسية الشائكة البحتة، إلا أنه –الحمد لله- لم يتحدث بعد ذلك أبدا، مما أجبرني على السكوت أنا أيضا كمن تم تجميده في (الفريزر) حديثا.

ظللنا صامتين تماما لا نسمع أي صوت سوى أصوات السيارات والبشر من خارج السيارة، بعد فترة قمت بإخراج هاتفي من جيبي لأقتل هذا الملل, قلت في نفسي لأستغل الوقت ولأدخل على (الياهو ميل) لأرى آخر الرسائل، لم أجد شيئا يُذكر, فتحت صفحة (Google images)، فكرت في أي شيء يخطر على بالي، ظهرت لي صورة (PlayStation 3) في مخيلتي، لذلك قررت البحث عن بلايستيشن فور لأرى إن كان صَدر حقا أم لا.

"يعني إنتا مبتحبش فلسطين؟"
قالها فجأة فضغطت بدون قصد على زر (ريفرش) فأُعيدت تحميل الصفحة التي كانت ستفتح للتو.
"إزاي يعني؟"
"أصل شكلك كده مش مهتم بالموضوع يعني"
يقولها بدون أن ينظر إليّ.
" هٌوا.. أنا متأئر آه.. بس.. مش لدرجة إني أعيط !"
لا أعلم لماذا شعرت هنا بأنني قد جرحت مشاعره – المجروحة بالفعل-، كان سيبدأ في إلقاء محاضرة ما إلا أننا كنا قد وصلنا بالفعل إلى الشارع الذي يقع فيه منزلي.
"أيوة لو سمحت.. عند آخر الشارع هناك"
ينظر لي مباشرة للمرة الأولى ويبتسم.
"تمام.. فرصة سعيدة.. بس أرجوك حاول تبقى تهتم بالموضوع أكتر شوية"
أبادله الابتسامة بأخرى صفراء، بينما أسأل نفسي " أهتم بالموضوع زيادة إزاي يعني ؟!"
أخرج من السيارة بعد أن توقفت، أعطيه المبلغ الذي كُتب على العداد بالإضافة إلى جنيه زيادة لا أعلم إن كان يستحقه أم لا.
أصعد إلى منزلي بسرعة، ألاحظ أن هاتفي المحمول مازال ملتصقا بيدي، وصفحة (Google images) ما زالت في مكانها، بشكل لا إرادي أرى أصابعي تعبث فوق أزرار الهاتف لتظهر في النهاية كلمتان فوق الشاشة.

Palestine Flag

أضغط بعدها على (Search).



___
ع.سالم
13-1-2010

هناك 5 تعليقات:

  1. ايوه كده، اكتب اكتر بالأسلوب ده، انت متمكن اوي وغير متوقع فيها

    ردحذف
  2. السلام عليكم
    تدوينة رائعة، ولكن أظن أن هذا الموضوع عمره الآن أكثر من 60 سنة!!
    هل تعرف غوار؟
    إنها شخصية دريد لحام في مسرحية كاسك يا وطن، في آخر المسرحية سأله أبوه (المتوفي) إن كان قد نجحوا في تحرير فلسطين؟ فيجيبه متهكما: هل هذا سؤال يسأل بعد 30 سنة نضال؟!!

    ردحذف
  3. يارب بعد كل الجراحات الي مرت على شبعي النازفة منذ 63 عام نقدر نرفع علم فلسطين على كل شبر منها و نبتسم ابتسامة المنتصر

    تدوينة رائعة و ابقى اهتم بالموضوع اكتر :D

    تقبل مروري و تحياتي برفع القبعة

    ردحذف
  4. لو الواحد كتب تدوينة على كل حكاية في تاكسي هنكتب كتب في الحتة دي :)

    بس سيبك إنتا برضه رد فعلك في الأخر مبالغ فيه حبتين

    أنا كنت ناوي أكتب سلسلة عن الموضوع ده .. ميزتك إنك بتحرق كل حاجة ناوي أكتبها يا عم عبد الرحمن .. توارد خواطر بقى و كدة :D

    ردحذف
  5. منوّرين يا جماعة، شكرًا ليكوا. واللي قلتوه (أيًا كان) في الإعتبار.

    ردحذف

إتكلّم!