الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

لسنا دلافين: أو ربما نكون كذلك؟


تصوير المخرج الإيراني، عباس كيارستامي

(١)

  نلجأ جميعًا إلى علاماتٍ مرئية وحسية، إيمائات، نواصي محددة في الشوارع، علامات تتركها الأكواب على خشب الموائد، روائح بيتية كعطر الجدة الدائم، وإلى آخر ما يمكن أن يعتبره الآخرون هراءًا. نلجأ جميعًا إلى هذه العلامات لتذكرنا بأساسيات لا نذكرها، أصولٍ لشيء ما لا نعرفه، قواعد لحالةٍ لا نقدر على وصفها، ولكننا ندرك يقينًا بأنها كانت خالية من أي تجملات إجتماعية. نلجأ إلى العلامات، نستنشق الدلائل، نبحث عن ما يذكرنا بالماضي، الماضي الذي لا ندّعي جماله، ولا نرغب بالضرورة في عودته، ولكننا نخلق له أبوابًا يمر بها دافعًا النوستالجيا في صحبته، النوستالجيا التي تخلق ألمًا فاتنًا يزورنا في أوقاتٍ يخفت فيها صخب العالم، ألمًا أطهر من أن ترفض زيارته اللطيفة.

(٢)

  أحيانًا نشعر بحزن أزرق، بسيط، هاديء، شبح اكتئاب قادم من بعيد ليلقي تحيته ويغادر، ذكريات سعيدة تكتسب حُزنًا عند مرورها ببوابة الحاضر. أحيانًا نشعر بحزن أزرق، بسيط، هاديء، كحديقة أطفال لا يزورها أحد، كمطعم أوروبي خالٍ من البشر، كمحيط أسود لا تصله الشمس، تسبح فيه الدلافين سعيدةً وعمياء في آن واحد.

لا أعتقد أن الدلافين التي نعرفها سعيدة كما تبدو، الدلافين ليست تلك الكائنات المُحتجزة في تلك الأقفاص الزجاجية وحمامات السباحة، ليست تلك الكائنات التي تقفز بين حلقات دائرية وتستمع إلى صفارة مدربها فيصفق لها الأطفال ويلتقط بجانبها الكبار صورًا تذكارية، هذه كائنات حزينة -ليكن الربُ في عونها-، ولكنها ليست دلافين بالتأكيد. إن أردت رؤية دُلفين حقيقي فسافر إلى أي جزيرة في المحيط الأطلنطي، وأركب ياختًا لوحدك، وأذهب إلى منتصف المحيط وانتظر الدُلفين ليقفز خارج الماء، ما إن يحدث ذلك ابتسم في وجه الدولفين وأرسل له قبلة في الهواء وإن كان لديك ما يكفي من الوقت لا مانع من أن ترسل التحية إلى باقي العائلة، ما إن يختفي الدُلفين عد بالياخت إلى اليابسة، إركب الطائرة، عد إلى بلدك، ونم سعيدًا في سريرك الدافيء (أو تعالى نقعد مع بعض لنضع سويًا خطة إقتحام للأكوا بارك -أو أيًا كان اسمها-لنخطف في الآخر الدلافين ونعيدها للمحيط، هناك ممكن نبقى نشاور لها من بعيد برضه).

(٣)

  لا أثق في ذاكرتي، لا أعرف إن كنت سأظل أذكر أنني كنتُ أحب ما أحب بعد عشر سنوات من الآن. الحب مستمر وزائل، متصل منقطع، ذاكرته بلهاء وجميلة.

أحيانًا تبدو الكتابة الشخصية وسيلة لتأريخ تفاهاتٍ ظلت عالقة بداخلي، تفاهاتٍ قد لا تكون كذلك، فمثلًا يعني، ما زلت بعد أربعة سنواتٍ أذكر ثلاثة ثوانٍ عَلِقَت داخلي من فيلم Only Lovers Left Alive لجيم جارموش: في بداية الفيلم نرى أن تيلدا سوينتون -والتي تلعب دور مصاصة دماء- تعيش في المغرب، تذهب في يوم من الأيام إلى المقهى وتقابل مواطنًا مغربيًا يطمئنها على حالة صديق قديم، يخبرها بأن أسراره وأسرارها في أيدٍ أمينة، -التلات ثواني تبدأ من هنا- فتبتسم خافتةً وتضع يدها اليمنى على قلبها وتحني رأسها بخفة. تظل تلك الإيماءة في قلبي تأريخ لأكثر إيماءة بشرية صادقة. أعتقد أحيانًا أننا يجب أن نُلغي كافة المصافحات والمقدمات وبدايات ونهايات الكلام، ونكتفي بإيماءة واحدة صادقة كهذه.

أيا ذا القلب، إلعب مع الزمن، تصالح معه، دعه يجري، ودعنا نكتشف مدى حبنا للأشياء. 
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتكلّم!