الأحد، 18 يونيو 2017

لن أكتشف العالم من حولي اليوم لأنِّي إتأخرت كتير في صلاح سالم.


a drawing by anja susanj


لا أعرف شيئًا.

البداياتُ جميلة، وساذجة: قلمٌ وكراسةٌ جُداد تشتريهما من مكتبة تُدعى 'مدبولي' في الحلمية (مش اللي في ميدان طلعت حرب)، قهوة بلدي شِبه ممتلئة لا يفتحُ صاحبها التِلفاز بصوتٍ عال، وصوت مُرتاديها يمكن مزجه بأصوات الشارع ليخلُق تراك صوت آمبينت مُحترم لا يَخرُم سماعات أذُنَك الداخلية، كُرسيّ بلاستيكيّ أخضر وزُجاجة مياه، ورغبة عارمة طفولية في أن تقتل بياض صفحات الكراسة القابعة فوق فخديك. تفتحُ الصفحة الأولى، تنزع غطاء القلم، وتضع قلمك في أقصى اليمين العلوي للصفحة.. وتَسكُن.

بقعة الحبر أسفل القلم تتمدد ببطء، ولا شيء يخرُج من رأسك في اتجاه الأوراق غير طنين مستمر، بقعة الحبر تتمدد وتتمدد وكأنها قد ضلّت طريقها عن الاختبارات السيكولوجية التي وضعها روشاخ. أنتَ في مكانك، الجو حَر ولكنك تشعر بتيارٍ باردٍ من الهواء.

لا أعرف شيئًا.

مُجددًا، أكتب عن الكتابة مُجددًا. أكتب سيناريوهاتٍ عن شاب يجلس في قهوة في الحلمية يكتب شيئًا لن يقرأه أحدًا من هُناك، أخلُق معطياتٍ تُشبهني ولا تفعل، يقرأها صديق فيلعن أم النرجسية يا أخي، وأقرأها مجددًا يوم غدٍ فينقبض قلبي.

أُحب الصالحين ولستُ منهم، يعني مثلًا سولينج في فيلم الأطفال “أسطورة سولينغ” كان رجُلًا صالحًا (الفيلم لمن لا يعرفه هو آنيمي كان يُعرَض زمان، يحكي عن حاكم صيني يُقرر أن يترك كل شيء ويمضي في رحلةٍ لاكتشاف العالم بصحبه قِطه السمين)، يُغني سولينج في أغنية شهيرة يعرفها الكثير من أطفال التسعينات أنه قد “حان الوقت لكي أكتشف العالم من حولي بجلال، وأرى حقيقة الأشياء”. هذا ليس سهلًا. هذه حكمة كبيرة وجمالٍ لن يفهمه طفلٌ جالس أمام التلفاز ليؤخر موجات الإكتئاب لمراحل المُراهقة.

لا أعرف شيئًا.   

أعتبر الكتابة بالفصحى في وسيطٍ بقُبح وتطاير الإنترنت كوسيلةِ دفاع، إختباء وراء صرامةٍ وقسوةٍ وقدرٌ بسيط من الجمال، صخور بحرية مُغطاة بطبقة رقيقة من الشيكولاتة البيضاء. الكتابة بالعامية بتعّريك وبتخليك حقيقي لدرجة بتخوفّك.. بتخوفني.. بتخليك تكتب “عنّك” بدلًا من “عنّي” هربًا من المواجهة الشخصية. الكتابة بالفصحى تخلُق جِدارًا بينك وبين القاريء، لأنها تُقدمك بوقارٍ لا تفعله العامية، وتعطي للآخرين مساحة من الفهم (الخاطيء) بأن هذه قطعة أدبية جميلة، وما يبدو كنداء إستغاثة ما هو إلا قصيدة لطيفة للغاية، فمخّك أكيد لا يُفكّر بالفصحى؟ مش كده ولا إيه؟ هاهاها.. ها؟

لا أعرف شيئًا.

في يومٍ آخر سأستيقظ من النوم بـ بالتة ألوانٍ مُختلفة، سأستيقظُ برضا كامل عن كل شيء، سأنزل إلى الشارع لأجري حوارًا من القلب مع شخص لا أعرفه، سألقي أبتسامةٍ حقيقية في وجه فتاة تنظر لي باحتقارِ واضح، وسأحتضن كلبًا شاردًا في ناصية الشارع، سأذهب إلى البوسطة لأشتري طوابع بريد لأرسل رسائل ورقية لكل من أحُب شارحًا فيها ما أكنه في قلبي حقًا لكلٍ منهم، وفي حركةٍ عابرة سأذهبُ إلى مكتبةٍ صغيرة في الحلمية لأشتري كراسةً وقلمًا بـ٧ جنيه، وأجلس في قهوةٍ صغيرة لأكتُب عن ما أشعر به في هذه اللحظة، سأفشل، وسأصرف النظر عن الفكرة، وسأُكمِل يومي كما لو أن شيئًا لم يحدُث. 

هناك تعليق واحد:

إتكلّم!