الأحد، 27 أغسطس، 2017

محاولاتٍ غَير مُجدية لمواجهة صَخَب العالم


صورة لعباس كيارستامي، ٢٠٠٥


(١)

في المرة القادمة التي تَرونني فيها أنزلوا عيونكم إلى الأرض رجاءًا، بهدوء، تجنبوا النظر في وجهي، يمكننا سويًا أن نَخلُقَ حِوارًا صامتًا، أتحرك في اتجاه وأنتم في الاتجاه الآخر، نظرات تائهة، ٨٠٪ أرض، ١٨٪ سرَحَان مُصطنع و ٢٪ التقاء أعين مرتبكة، يمكننا أن نتفق علي أنصاف ابتساماتٍ حقيقية، خالية من الاحترام أو الحُب المُزيف، انصاف ابتسامات غير صفراء، أنصاف ابتساماتٍ من القلب، وكأن كلانا يقول للآخر “ربما في يومٍ من الأيام سننجح في أن نقولَ ما هو أكثَر من مجرد كلمات”. 

الحوارات التي تدور مع الآخرين ليست إلّا ملء فراغات; تغطية لأرواحٍ أكثر ثقلًا من المحاولة، كلماتٍ يمكنها أن تُخلَق كل يوم وكل ساعة مع أي حد، استمارة فاضية تُملأ بسرعة، مضربي بينج بونج يضربان كرات لا تود شيئًا من العالم سوى أن تظل وحيدةً قُرب الشبكة.

(٢)

 لستُ أنا من يتحدث معك الآن، لست أنتَ أو أنتِ من يتحدث معي الآن. نحنُ لسنا نِتاج آخر شوية إيموچيز استعملناهم، أو آخر حوارٍ أجريته مع صديقك عن السينما، نحنُ لسنا آخر حاجة مهمة عملناها في حياتنا. نحنُ لسنا الصورة التي خلقناها بأنفسنا لأنفسنا، أو الصورة التي ألصقها الآخرون بنا. نحنُ نِتاج ما بعد المعركة; سلسلة مُستمرة من الجروح التي تلتئم وتَسيلُ دمًا كل يوم، الكائنات المهترئة التي تتحدث إليها كل يوم قبل أن تنام. نحنُ ما سيتبقى مِنّا في النهاية.

الآخرون ليسوا الجحيم بالمناسبة، نحنُ كذلك.

(٣)

هناك ثورة ما تُخلق بداخلي من حينٍ لآخر، رغبةً في تحطيم القوالب، إعادة نشر الكلمات وخلقها وتدويرها والزَن على دماغ الناس بأن ركزوّا يا جماعة، والله العظيم نحنُ نسير في نهايتنا بخطى مستقيمة وبهمةٍ عالية، وأرواحنا إن تركناها لهم فلن يتبقى لنا أي شيء على الإطلاق، لقد أخذوا كل شيء، وما تبقى لنا يمكننا أن نحافظ عليه قبل أن يختفي تمامًا، يعني مثلًا، ما الذي نفعله الآن في هذه اللحظة؟ أليس من الأفضل أن نخرج ونقرأ القصائد لبعضنا البعض تحت ضوء القمر، وإن كان غير مكتمل؟… ولكن كل هذا ينطفيء مع الوقت، تتمدد الفراغات، ويبدو ما بداخلي ضعيفًا، هشًا، غير قابل للخروج بشكلٍ لائق.

ما يدور بداخلي يبدو بالنسبة لي بضخامة جبال الألب/بعرض السماوات والأرض/متاهة لا نهائية، اختر تشبيهًا يُعجبك. ما يدور بداخلي كثير، وضخم، ومُتشابك، ومِلَعبِك، وأسود اللون. ما يدور بداخلي ليس بالنسبة لك إلّا مجموعة من التشبيهات، كلماتٍ تتكون من أصفارٍ وآحاد يمكنك بسهولة أن تـ سكرول داون وتتخلص منها، كلماتٍ يمكنها أن تُطبَع على ورقةٍ يحركها الريح، أو في كتاب يُغطيه التراب في مكتبتك المنزلية. ما يدور بداخلنا غير قابل للشرح، كما الألم بالضبط: في العيادة يسألك الطبيب أن تشرح له مقدار الألم الذي تشعر به، “حاسس بوجع قد إيه، على سكيل من واحد لعشرة”، ولكن ألمك غير قابل لأن يُحوّل إلى قيمة عددية، ألمنا الفيزيائي والنفسي والعقلي هو حقيقة مُطلقة، ألم الآخرين مُجرد كلمات.

(٤)

هذه الكلمات مُوجهة لي، وللآخرين، وللخالية قلوبهم من المعنى، وللباحثين عنه، وللتاركين أنفسهم لأنفسهم، وللتاركين أنفسهم للآخرين، ولمن يبكون قبل النوم، ولمن يدّعون بأنهم لا يفعلون، ولمن يضعون أقنعة على وجوههم قبل ملاقاة العالم، ولمن يحاولون خلع أقنعتهم، ولغير القادرين على ذلك، ولموظفي الشركات المُجبرين على خلق ابتساماتٍ في وجوه عملائهم، وللكارهين العالم، ولمحبينه، ولصانعي فقاعاتٍ صغيرة تكفيهم،  وللغارقين في أحلام اليقظة، وللتائهين، والحزانى، والهاربين من أنفسهم، ولمن وَصلَ منهم إلى شيءٍ أكثر كَمالًا، ولِمَن لم يصل: أعتقد أنني مَدينٌ بإعتذارٍ لكم، كل ما استطعت فعله هو كتابة عدد من الكلمات التي ستبدو لكم عديمة القيمة، ولكن لا حَل أمامنا غيرَ ذلِك. آسِف. أُحِبَكُم.

--
٢٧ أغسطس ٢٠١٧