الثلاثاء، 27 أغسطس، 2013

تدوينة أخرى عن تلك الأشياء..


للمرة الألف، أركب التاكسي وأضع يدي اليسرى بداخل جيب البنطلون، تمر دقائق صامتة، سواق التاكسي يشرب سجائر، يسأل:
"حضرتك كنت مسافر بره ورجعت؟"
للمرة الألف، أجيب وأسأل:
"بتسأل ليه؟"
"شكلك مبتتكلمش كتير"
"معلش الواحد هبطان شوية.."


نصل، أدخل غرفتي وأفتح اللاب توب، شعار ويندوز المُلون ينمو على خلفية سوداء تتيح لي فرصة التأمل في وجهي الميت، بعد ثوان أصرف النظر عن فكرة إحضار السكينة من المطبخ وفعل تلك الأشياء اللي مش لطيفة، وأسأل نفسي للمرة الألف "ليه مبنضفّش أم شاشة اللاب توب؟"

 لأ، لحظة واحدة هنا من فضلك، بجد، ما الذي يمنعني من تنضيف شاشة اللاب توب؟ الأمر كبير ويحتاج إلى وقفة جادة لدراسته، ربما بحث يُنشر في مجلة علمية، رسالة ماجستير أو دكتوراة، أي حاجة، الأمر ليس بهذه السذاجة، ولدت الثورة وعاشت وماتت و مازالت شاشة اللاب توب ملطخة بتلك الأشياء.


*قررت الوقوف في جزئية تنظيف شاشة اللاب توب هنا، حيث أن الكلام لن يفيد، فأنا لا أجد تفسيرًا منطقيًا لذلك ولا أعتقد أن أحدكم سيهتم بالموضوع. نكتفي بهذا القدر.*

يظهر كافكا في الباك جراوند بوجهه الصامت الميت، أقارن بين وجهينا، نكاد نكون زي بعض تمامًا، لكي أكون مثله تمامًا أحتاج فقط إلى أن أسافر الصومال شهرين تلاتة وأرجع على طول.


أفتح ملف وورد باسم "س" وأقرر أن أبدأ في الـ"ج".

"لماذا توقفت عن الكتابة؟
لا لشيء، الكآبة المعتادة، شغل العيال إياه. 

إيه رأيك في اللي بيحصل في البلد؟
معلش.

ماذا تنوي أن تفعل بخصوص ما يحدث في البلد؟

معلش.

لِمَ كل هذه الكآبة؟
معرفش، ولكنّي سأستغل هذه الفرصة بأن أعترف بأنني من هؤلاء الذين يُضيّعون الساعات والأيام والشهور متسائلين عن جدوى الحياة وعن خطواتهم القادمة ويضعون مئات الأسئلة التي لا تحتاج إلى إجابات. مُجرد تأنيب ضمير على أخطاء لم تُرتكب ومعيلة فارغة (حلو لفظ معيلة ده).

بس كده؟ هوّا ده الإعتراف؟
نعم.

لماذا تركت مدونتك؟
أنا آسف.

عندك أمل؟
لأ معنديش.

تحب تقول حاجة أخيرة؟

أيوة........ لا أعلم لماذا، ولكنني مؤخرًا أحلم بشكل يكاد يكون يومي بمشهد أعتبره من مشاهدي المفضلة في تاريخ السينما، قبل أن أذكره أتمنى أن تتوقف عن القراءة إن لم تشاهد فيلم "جران تورينو" لـ"كلينت إيستوود" لأنني سأحرق نهاية الفيلم للتو، في نهاية الفيلم يقف عمنا ايستوود في وجه العصابة الشرق آسيوية التي كانت تُضايق العائلة -الشرق آسيوية أيضًا- التي تسكن بجانبه، يقف بوجهه الغاضب العجوز، ينظر له أفراد العصابة في تحدٍ، يدخل يديه في جيب الجاكيت، يهم بإخراج شيء ما، تُطلق العصابة النار عليه، يقع على الأرض، تلتقط الكاميرا يداه التي بدأت تسيل إليها الدماء، نكتشف أن هذا الشيء القابع في راحة يده لم يكن إلّا ولاعة سجائره القديمة.





لِم تتذكر هذا المشهد بالذات؟
لا أعلم.

شكرًا.
العفو."

أُغلق ملف الوورد الكئيب، أُخبر الكمبيوتر بأن أي نعم، أريد أن أحتفظ بما كتبته للتو، أُغلق الملف، أنتفض للحظة... بدون أي سبب الباك جراوند تغيرت لوحدها وتبدلت صورة كافكا الكئيبة بصورة أبيض وأسود لمارلين مونرو.


هل أراد الله أن يُرسل رسالة معينة لي؟ 
حسنًا، رُبما.

هناك 4 تعليقات:

  1. مش معقول :)

    ردحذف
  2. ومن مآسي الدنيا أن يستمتع القراء بما خطه الكاتب بدمه
    وقد كنت أنا من المستمتعين بهذا البوست
    ليتك لا تترك مدونتك مرة أخرى

    تحياتي

    ردحذف
  3. الموضوع رااائع جداا ومشوق !!

    ردحذف

إتكلّم!