الأحد، 23 مارس 2014

كقطار يسير بحزن بطيء

 
's Submarine (2010)


المفتاح الذهبي العتيق قابعٌ أمامي فوق طاولة الطعام الخشبية، موضوعٌ بجانب الأقراط التي خَلَعَتها -هي- مُنذ دقيقتين.

ليس الأمر كقصيدةٍ حالِمة.

النافذة الألوميتال مفتوحة على آخرها، ونسمات الهواء الخفيفة تُداعب شعرها كمشهد من فيلمٍ لـ"تيرانس ماليك"، أبتسم، وأُخبرها أنني لستُ كما تتوقع، أنا دراما كينج، أعترف بذلك، ولكن هذا يسمح لي بأن أكون طيبًا للغاية في أوقاتٍ مٌفاجِئة. تُخبرني بأن كَوني طيبًا في بعض الأوقات ليست بميزة أصلًا.

"انتا مليان عيوب".

تقولها بصرامة تُنهيها بابتسامة مواسية.

أهز رأسي بتفهم، وأستدعي ذكرياتٍ قديمة عن قرية لَم أعِش فيها ولم أرها إلا في المنام، أحكي لها عن تلك القرية، وعن أهلها الذين يستيقظون ليلًا -فقط- ليتأملوا القمر، تسمعني وتبتسم، أخبرها أن الحكاية ليست لطيفة ولا ظريفة بما يكفي لكي ترسم على وجهها هذه الابتسامة، فتُخبرني أنها لم ترسم شيئًا، ده أولًا، وثانيًا، أنني يجب علىّ التوقف عن التساؤل والاستفسار، لإن...
"... ده مش هيساعدك".

نحن في المطبخ، والهواء يمر بيننا، والفاكهة أمامنا، موز وتفاح وبرتقال ورمان ومانجو، تناولنا من الفاكهة ما يكفي لمائة وسبعة وعشرين يومًا قادمة، ولكننا لَم نشبع، ولَم تُرسِل لنا معدة أي منا إنذارا بأن هذا يكفي. كانت تلك مُعجزة ولكن أحد لم يهتم بتفسيرها.

أتأمل المُفتاح مَليّا، وأسألها:

"إنتي جيتي هنا إزاي؟ والمفتاح ده بيعمل إيه؟"

تقول لي بأن السيناريو يسير على ما يرام، فلا داعي للبحث عن أخطاءٍ درامية تقتل الواقع، ما دام الأبطال سُعداء لا يوجد ما يستدعي تغيير حياتهم للأسوأ، بالذات إن كان هؤلاء الأبطال قد خرجوا من الورق الأبيض إلى عالمَنا الأسود.

لا أفهم شيئًا.

 أخبرها أنني -على أية حال- سعيد للغاية بوجودها هنا. فتخبرني بأنها سعيدةً مِثلي كذلك،

 تقترب الشمس من الوصول إلى كَبد السماء، نتأمل الأشجار الخضراء لمدة طويلة، للغاية، أُفكِّر مليًا: أما كان من الأفضل أن تكون جلستنا أمام النافذة في وقت الغروب بدلًا من تأملنا لشمس الظهيرة؟

يستمر الصمت لفترة لا بأس بها، قبل أن أقطعه لأسأل:

"طَب والمفتاح؟"

تضحك بصوتٍ عالٍ وتقول:

"إنتا غبي جدًا على فكرة".

الجمعة، 21 مارس 2014

لِم يُحب الله الذين يذهبون إلى السينما فُرادى؟


Le fabuleux destin d'Amélie Poulain, 2001


الفشار، اصطدام أطراف أصابعك بأصابع آخرين عند دخولك للقاعة، البقشيش، الظلام، الإزعاج، الضحكات الهازئة، صوت ابتلاع الفشار، صوت زجاجة الكانز وهي تُفرِغ مخزونًا من طاقتها الداخلية، طفلٌ يبكي، الحَرْ، التكييف لا يعمل، أو يعمل ولكن البرد يضرب أطرافك في قسوة، إحداهن تخبر خطيبها بأنها كَرِهت الفيلم من قبل أن يبدأ، مراهقون يضحكون، آباءٌ يُخرِسون أبناءهم، مزيد من الإزعاج،.... وفيلم.

ضِدْ:               

توجيه رأسك لأعلى قليلًا، تجاهُل لأغلبية العناصر المذكورة أعلاه، القُدسية المفروضة احترامًا للمكان.... وفيلم.

***
كُنت أُحدِّث أحدهم عن السينما، في مصر تحديدًا، وأقصد بالسينما هنا "القاعة السينمائية التي تُعرَض فيها الأفلام"، وليس بمعنى "الأفلام" بشكل عام. أخبرني أنه لسبب ما –لا أذكره- قد ذهَب لمشاهدة أحدى الأفلام وحيدًا، بدون أصدقاء، وبدون عائلة. كانت تجربة سيئة وبائسة، بل ومثيرة للشفقة أيضًا.

أخبرته أنني فعلتها من قبل وشاهدت عددًا لا بأس به من الأفلام وحيدًا، وقشطة جدًا، بالعكس، هي تجربة رائعة وشاعرية للغاية.

سألني عن تفاصيل أكثر، فتلعثمت كالعادة وسار بنا الحوار إلى مواضيع أخرى أخف وطأة من تعب الحديث عن أفكارٍ شخصية أو مُقتنعات فردية لا تُجدي ولا تذر، ولن يقتنع بها الطرف الآخر على أية حال.

كان هذا الصديق يخبرني أن ذهابي إلى السينما وحيدًا أمر خطير يستدعي الوقوف عنده مليًا، سألته عن السبب فقال فيما معناه أن السينما صُنعِت لتستقبل الناس كجماعات وليس كأفراد، أخبرته بأن هذا ما اتُفِق عليه مع مرور الزمن، ولكنه لا يعني بالضرورة أنه العُرف الصحيح، فالذهاب إلى السينما مُتخففًا من أحمال الأصدقاء والأقارب والكلام والنقاشات التي تسبق الفيلم والأخُرى التي تليه هي مُتعة خالصة لن يقدرها الجميع.

***
في فيلم سينما باراديسو (1991) يُعجَب الفتى الصغير توتو بالشاشة الكبيرة، السينما، يُبهَر بالحيوات التي تُعرض أمامه على الشاشة، ولا يملك سوى التحديق بعينين واسعتين وبابتسامة كبيرة.

"توتو" كان مبهورًا.

 عند ذهابي إلى السينما وحيدًا لا يختلف الأمر كثيرًا عن توتو... الصمت، والانبهار، والاحترام الذي يمنعك من إلقاء الأحكام قبل أن تُغادر آخِر كلمة من تِتر النهاية شاشة العرض.

***
ذهابك إلى السينما وحيدًا سيعطي لك فرصة جيدة في التفكير في من تُحِب، سيعطيك مقدارًا أكبر من الإخلاص للتجربة السينمائية، سيفتح لك آفاقًا جديدة لم تكن تعرفها في الفيلم الذي تشاهده لأن صديقك أو قريبك سيكون بياكل فشار بصوتٍ عالٍ وقتها، سيُعطي لك إمكانية البقاء لآخر لحظة في التتر.

لا تحاول توقع ما سيحدث في الفيلم، لا تَمِلْ على أذن أحدهم لتخبره عن توقعاتك لنهاية الفيلم، لا تهتم بمعرفة الخط الفاصل بين الواقع والخيال، بين الواقع والسينما، وبين السينما والخيال، لا تُعط اهتمامًا بمعرفة أسرار صناعة الأفلام التي شاهدتها، اجعل استمتاعك خالصًا، وصادقًا.

***
في الأفلام، أُحب –عمومًا- المشاهد التي يجلس أو تجلس فيها أحد/ى شخصيات الفيلم في صفٍ من الصفوف الأمامية رافعًا/ـةً رأسهـ/ـا للشاشة ومتأملًا/ـةً العالم الآخر، كـ أميلي في "المصير الرائع لأميلي بولان" (2001)، أو كـ توتو في "سينما باراديسو" (1988).

في عام 2008 صنع المُخرج الإيراني عباس كيارستامي فيلمًا باسم "شيرين"، وهو عبارة عن مشاهد مُجمّعة مستمرة ومتتالية لوجوه مئة وأربعة عشر مِن المُمِثلات الإيرانيات بالإضافة إلى الممثلة الفرنسية "جولييت بينوش"، وهو يحكي قصة الملحمة الرومانسية  "خسرو وشيرين"، وهُنا، نحن لا نرى شيئًا من العرض المسرحي، فقط نسمع النَصْ والموسيقى، ونشاهد ردود أفعال السيدات اللاتي تشاهدن الفيلم، كلًا منهن لا تشارك الأخرى في رأيها، صمتٌ تام من قِبَل المُتَلَقِي.

صمت أثناء الصمت، وصمت أثناء الكلام. القُدسية تفرض نفسها بنفسها.

***
إذًا، أيعني هذا أن مشاهدة فيلم مع قريب/صديق/ة تُعَد تجربة سيئة؟ ليس بالضرورة، بالعكس، بالنسبة لي، أرى أنه من الممكن أن تُصبِح التجربة أعمق وأفضل إن شاركتها مع فردٍ آخر، ولكن بشرطٍ وحيد يُصعِّب من العملية كُلها، ألا وهو: تبادُل الصمت...

خذ قرارًا بأن تدخل فيلمًا مع صديقتك ، شاهِدا الفيلم بعينين مندهشتين، لا تفتعلا المشاعر ودعا الفيلم يأخذكما –بشكل منفرد- إلى عالمه الخاص، لا تمزج عوالمك الصغيرة التي صنعتها عن الفيلم بعوالمها، ولا تُشركها في توقعاتك لمصير الأبطال، أصمتا، تابعا الفيلم للنهاية، تقبلا النهاية كما هي، شاهدا التتر، أخرجا من قاعة السينما، إزعاج، ناس خارجة من الفيلم وبتضحك، آخرون يتحدثون في هواتفهم المحمولة، تجاهلا كل شيء، تجاهلا الضوضاء، أذهبا إلى السيارة /كوبري قصر النيل/أي مكان فاضي نسبيًا...

إجلسا، التقطا أنفاسكما.... والآن، الآن فقط، يُمكنكم الحديث عن الفيلم، إن أردتم.

***
البؤس لا يكمُن في ذهابك إلى السينما وحيدًا، أو مع الأصدقاء، ولا في أنّك لا تملك ما يكفي من المال لتجربة كهذه، ولا في أن يكون الذهاب إلى السينما آخر ما يشغَل بالك...

البؤس هو أن تدخل قاعة السينما وتخرج، ومقدار دهشتك من الحياة ثابِتٌ لم يتغير.

الأحد، 2 فبراير 2014

سِفْر الاعتدال

من أعمال آندي وارهول


ألم مجاراة الأيام في الحاضر القبيح أقل قسوة من ألم التخلص من ذكريات الماضي، هكذا كنت أؤمن قديمًا، وهكذا كنت أُحمِّل الأمور أكثر مما تحتمل.

أحيانًا أُخبر نفسي بأنني أُحمّل الأمور -فعلًا- فوق طاقتها، أُفكِّر في الأمر بروية، وأجد أن الواقع لا يحتمل هذا القدر من الجدية، ولا يحتمل أيضًا هذا القدر من المشاعر البريئة (هنا يقع الكاتب في خطأ منطقي غير مقصود، المشاعر البريئة لا تعني بالضرورة أن حاملها بريء أيضًا، بغض النظر عن تعريفنا لمعنى "البراءة" ها هنا(.

أمّا الجدية، فهي من قبيل مواجهة الهزل ومشتقاته; المرح والسعادة والانبساط، حجة واهية لتمالك الأعصاب بشكل مؤقت، الجدية تسمح لك بالتقاط أنفاسك، الركون إلى جنب، التفكير في أمور لم يُفكر بها الآخرين، الجدية تسمح لك بتقطيب جبينك في أي وقت تريد.
  
أما المشاعر البريئة فهي غير مُتحَكَمُ بها، تأتي إذ تأتي وتذهب إذ تذهب، الحساسية المفرطة لكلماتٍ بسيطة، الربط بين الحيوات التي تراها في السينما وبين الواقع ربطًا سطحيًا مُباشرًا، إعجابك المفرط بقصة شعر إحداهن، بكاءك في أوقاتٍ غير مناسبة، شرودك الدائم بحثًا عن إجاباتٍ لأسئلة لم تُطرح.

حاول أن تُوازن بين كفتي الجدية والهزل، الواقع والخيال، الكراهية والحب، لا تُغلِّب كفة على أُخرى فتُصبح منبوذًا. على فكرة، حرية الاختيار تسمح للفرد بأن يُغلٍّب كفة الخيال عن الواقع، أو العكس، لك أن تُغرق نُفسك في خيال كئيب أو في واقع أكثر كآبة، براحتك، ولكن الناس يا سيدي مبتحبش كده. من الآخر، أمامك خيارين، أن تُغلّب كفتك المُفضلة عن الأخرى، أو أن توازن بينهما، في الحالة الأولى ستخسر الناس، في الثانية ستخسر نفسك.

أتعلم؟ في نفس الوقت الذي تهاجمك فيه مشاعرك الساذجة أو تهاجمك نوبة أخرى من تقطيب الجبين تحت مُسمى الجدية، فإن العالم ما زال أمامه حروبًا لتُنهى، كواكب لتُكتشف، أجهزة لتُخترق، بترول ليُسرق، أفلامًا لتُصنع، مبان لتُهدم. خلاصة القول: العالم حقًا حقًا حقًا لا يأبه لجديتك، ولا لمشاعرك البريئة.... فتبًا لك.

السبت، 11 يناير 2014

عشر نقاط/دروس مستفادة/نصائح من 2013


"And it's a beautiful day"- fargo 1996


1- الإنسان ضعيف. (وهي نقطة مُستفادة من قبل في 2012).


2- لا بأس من أن تترك رغبتك الملحة في الاستماع إلى أُغنية جديدة أومشاهدة فيلم من الموجة الفرنسية الجديدة أو قراءة كتاب لا يوجد منه سوى أربعة نسخ حول العالم من أجل الاستمتاع بفيلم كوميدي خفيف لجاك بلاك، ذلك الفيلم الذي ينظر إليك كلما فتحت فولدر الأفلام ويتسائل عن سر تجاهلك التام له كل هذه السنوات، أما جاء الوقت لكي تعطيه حقه؟، أنت تعرف جيدًا أن تقييمه منخفض على imdb، ولكن تبًا للتقييمات!، ألست أنت من كان يقول ذلك كلما تحدث أحدهم بالسوء عن فيلم Valhalla rising؟ ، ربما يُعجبك الفيلم، من يدري؟

3- كن ممتنًا لهانز زيمر وستيفن برايس وكارتر بورول، وأدعُ لهم بطيلة العمر.

4- أخبر أصدقاءك أن فيلم Gravity لألفونسو كوارون يستحق هذا الاهتمام وهذه الضجة، وحاول أن تُوقف تلك الرغبة الملحة في أن تقتل كل من يستخدم كلمة "Overrated" عن هذا الفيلم.


5-  أخبر أصدقاءك أن مسلسل Breaking Bad لفينس جيلجان يستحق هذا الاهتمام وهذه الضجة، وحاول أن تُوقف تلك الرغبة الملحة في أن تقتل كل من يستخدم كلمة "Overrated" عن هذا المسلسل.

5- كُن ممتنًا لـsoundcloud.

6- كُن ممتنًا لهؤلاء الأشخاص الذين يشاركونك شغف أشياءٍ بعينها. ليسوا كثيرون، فاكتب اسماءهم لأنهم يستحقون ذلك.

7- حاول، فقط حاول، أن لا تفقد إنسانيتك، الأمر يبدو مبتذلًا، والنصيحة تبدو ساذجة وطفولية وحالِمة بشكل كبير، أعرف، ولكن حاول.

8- كلمات مثل "حفلة عشرة ونُص"، "سَهَر"، "بلايستيشن تو"، "ألغاز الأذكياء"، "ميس نرمين"، "الشريط"، "تحميض النيجاتيفز" هي كلمات تُثير الكثير من مشاعر الحزن وخلافه، حاول أن تبتعد عنها، بقدر الامكان.

9-
"- أنا راحت عليا نومة.
- معلش.
- أنا سِقِطت.
- معلش.
-أنا هموت قريب.
- معلش."

 حاول أن تتوقف عن تكرارك لكلمة "معلش"، الموضوع يصبح سخيفًا بمرور الوقت. حاول أن تبحث عن كلمات أخرى تؤدي نفس الوظيفة وليست بهذا القدر من البرود.

10- وأخيرًا، لا تمنع الـFloaters السابحة داخل عينيك من تأملك للسماء الزرقاء، إرفع رأسك وتأمل، واحرص دائمًا على اختيار موسيقى تصويرية مناسبة.


*ملحوظة: أفعال الأمر في هذه التدوينة مُوجهة لي أنا، وليس لكم. معلش.

الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

تدوينة أخرى عن تلك الأشياء..


للمرة الألف، أركب التاكسي وأضع يدي اليسرى بداخل جيب البنطلون، تمر دقائق صامتة، سواق التاكسي يشرب سجائر، يسأل:
"حضرتك كنت مسافر بره ورجعت؟"
للمرة الألف، أجيب وأسأل:
"بتسأل ليه؟"
"شكلك مبتتكلمش كتير"
"معلش الواحد هبطان شوية.."


نصل، أدخل غرفتي وأفتح اللاب توب، شعار ويندوز المُلون ينمو على خلفية سوداء تتيح لي فرصة التأمل في وجهي الميت، بعد ثوان أصرف النظر عن فكرة إحضار السكينة من المطبخ وفعل تلك الأشياء اللي مش لطيفة، وأسأل نفسي للمرة الألف "ليه مبنضفّش أم شاشة اللاب توب؟"

 لأ، لحظة واحدة هنا من فضلك، بجد، ما الذي يمنعني من تنضيف شاشة اللاب توب؟ الأمر كبير ويحتاج إلى وقفة جادة لدراسته، ربما بحث يُنشر في مجلة علمية، رسالة ماجستير أو دكتوراة، أي حاجة، الأمر ليس بهذه السذاجة، ولدت الثورة وعاشت وماتت و مازالت شاشة اللاب توب ملطخة بتلك الأشياء.


*قررت الوقوف في جزئية تنظيف شاشة اللاب توب هنا، حيث أن الكلام لن يفيد، فأنا لا أجد تفسيرًا منطقيًا لذلك ولا أعتقد أن أحدكم سيهتم بالموضوع. نكتفي بهذا القدر.*

يظهر كافكا في الباك جراوند بوجهه الصامت الميت، أقارن بين وجهينا، نكاد نكون زي بعض تمامًا، لكي أكون مثله تمامًا أحتاج فقط إلى أن أسافر الصومال شهرين تلاتة وأرجع على طول.


أفتح ملف وورد باسم "س" وأقرر أن أبدأ في الـ"ج".

"لماذا توقفت عن الكتابة؟
لا لشيء، الكآبة المعتادة، شغل العيال إياه. 

إيه رأيك في اللي بيحصل في البلد؟
معلش.

ماذا تنوي أن تفعل بخصوص ما يحدث في البلد؟

معلش.

لِمَ كل هذه الكآبة؟
معرفش، ولكنّي سأستغل هذه الفرصة بأن أعترف بأنني من هؤلاء الذين يُضيّعون الساعات والأيام والشهور متسائلين عن جدوى الحياة وعن خطواتهم القادمة ويضعون مئات الأسئلة التي لا تحتاج إلى إجابات. مُجرد تأنيب ضمير على أخطاء لم تُرتكب ومعيلة فارغة (حلو لفظ معيلة ده).

بس كده؟ هوّا ده الإعتراف؟
نعم.

لماذا تركت مدونتك؟
أنا آسف.

عندك أمل؟
لأ معنديش.

تحب تقول حاجة أخيرة؟

أيوة........ لا أعلم لماذا، ولكنني مؤخرًا أحلم بشكل يكاد يكون يومي بمشهد أعتبره من مشاهدي المفضلة في تاريخ السينما، قبل أن أذكره أتمنى أن تتوقف عن القراءة إن لم تشاهد فيلم "جران تورينو" لـ"كلينت إيستوود" لأنني سأحرق نهاية الفيلم للتو، في نهاية الفيلم يقف عمنا ايستوود في وجه العصابة الشرق آسيوية التي كانت تُضايق العائلة -الشرق آسيوية أيضًا- التي تسكن بجانبه، يقف بوجهه الغاضب العجوز، ينظر له أفراد العصابة في تحدٍ، يدخل يديه في جيب الجاكيت، يهم بإخراج شيء ما، تُطلق العصابة النار عليه، يقع على الأرض، تلتقط الكاميرا يداه التي بدأت تسيل إليها الدماء، نكتشف أن هذا الشيء القابع في راحة يده لم يكن إلّا ولاعة سجائره القديمة.





لِم تتذكر هذا المشهد بالذات؟
لا أعلم.

شكرًا.
العفو."

أُغلق ملف الوورد الكئيب، أُخبر الكمبيوتر بأن أي نعم، أريد أن أحتفظ بما كتبته للتو، أُغلق الملف، أنتفض للحظة... بدون أي سبب الباك جراوند تغيرت لوحدها وتبدلت صورة كافكا الكئيبة بصورة أبيض وأسود لمارلين مونرو.


هل أراد الله أن يُرسل رسالة معينة لي؟ 
حسنًا، رُبما.