الثلاثاء، 18 يونيو 2024

ماذا سيحدث للنباتات التي تركتها جدتي في البلكونة؟



 

تبدو الكتابة الآن أمرًا مستحيلًا: الكلمات ثقيلة وتخرجُ بصعوبة، لا يهم إن كتبتها بالعامية أو الفُصحى، أو بالعربية أو الإنجليزية... عقلي تغمره دوشةٌ مستمرة وصَفيرٌ لا يتوقف، وقلبي به ألم حاد لا أعرف إن كانت ستقل حدته قريباً أم لا.

فقدتُ الكثيرَ في السنوات الماضية، أصبح الفقدُ سمة متكررة: صداقاتٌ انتهت، وأحلامٌ تلاشت، وذكريات أصبحت -حتمًا- من الماضي، وأشخاصٌ أحببتهم ولكنهم فارقوا عالمنا فجأةً دون أن أتمكن من توديعهم بشكلٍ مناسب. عندما كنتُ طفلاً كان الموت شخصًا يفاجِئنا مرةً كل فين وفين، الآنَ أصبحَ الموتُ ضيفاً كريهًا أتوقع زيارته القميئة في أي وقت. 

كلما سيمر تيّارُ الزمن بي، فأنه سيمر أيضا بأحبائي الأكبر سناً.. ومقدار الزمن الذي يجعل شعري يشيب هو نفسه المقدار الذي سيجعلهم غير قادرين على الحركة. الزمن يمرُ بسرعة، ولا توجد طريقة لإيقافه، وعندما يتوقف الزمن لأحدهم فأنه لا يأبه بالتوقف للآخرين. 

أجدُ دائما في الفيس بوك منشورات من قبيل "انتقل الى رحمة الله جدي/فلان الفلاني وصلاة الجنازة في هذا المكان والتوقيت"، أتساءل دائمًا إن كانت هذه هي خلاصة علاقاتنا بأجدادنا: مجرد بوستات تنشر في الفيس بوك لتوعية أصدقاء الأصدقاء والأقارب بأن شخصًا ما يعرفونه قد فارق الحياة، وأنهُ ربما يجب عليهم الآن أن يرسلوا تعليقًا مثل "البقاء لله" أو "شد حيلك" لأداء الواجب. أعرف أن هذا غير صحيح، ولكنني أشعرُ أحياناً بأنننا نعيش في عالمٍ لا يهتم بكبار السن إلّا عند إعلان وفاتهم للآخرين.

قبل أربعة أيام، فقدتُ جدتي العزيزة، آخر من تبقى لي من الأجداد والجدات. رحلت عن عالمنا فجأةً دون أي إشعارٍ مُسبق. أي نعم، في السنوات الأخيرة رأيت كيف يضعف جسدها مع تقدم العمر وتوالي الأمراض الجسدية والنفسية عليها، إلا أن وفاتها جاءت كمفاجأة لم أكن مستعداً لها، وما زلت لا أعرف كيف أتعامل معها بالظبط.

جدتي كانت صارمةً وحاسمة، طيبة القلب، وكريمة بشكل لا أظن أننا سنرى مثله أبدًا. طوال حياتها كانت أكثر من عرفتهم إيجابيةً وأكثرهم ابتسامًا. في السنوات الأربعة الأخيرة، شاهدت الأمراض تتراكم عليها: الباركنسون، ضعف النظر، فقدان الاتزان، ضمور العضلات، أمراض القلب والشرايين. تكاثرت الأمراض عليها لدرجة أنني -رغم حزني الشديد على وفاتها- أشعر بالراحة لأنها معاناتها قد توقفت أخيرا.

سأذهبُ غداً إلى شقة جدتي لأسقي النباتات والزرع الذي تركته في البلكونة. في الصالة هناك صورة لجدي وجدتي في أسوان، تعود الصورة لاوائل القرن الحالي (ربما 2002، أوبعد ذلك بقليل)، في الصورة نراهم يبتسمان وينظران للكاميرا بابتسامةٍ راضية سعيدة. سأختارُ أن أتذكرهما بهذا الشكل.

كل ما مضى هو ماض جميل، ومؤلم، ولكني ما زلت ممتنًا لحدوثه، وما زلت ممتنًا لأنني سأستطيع استرجاعه كلما أردت، سأحاول أن أتخطي كل هذه الآلام التي صاحبتنا في السنوات الماضية حتى أتذكر جدتي كما كنت أعرفها طوال حياتي.. كما كنت أعرفها قبل أن تتراكم الأمراض عليها: جدتي التي تقلِّم النباتات في شرفتها، تقطف زهرة الياسمين وتضعها في كوب من الماء، تقرأ القرآن، تنجز جميع مهامها بنفسها، وتصحح أوراق الطلبة في كليتها، تشرف على رسائل الماجيستير، وتنهي مائة مشوار في يومٍ واحد، وبعد كل ذلك تطبخ لنا أفضل محشي ورق عنب تذوقته وسأتذوقه في حياتي. 

السنوات الأخيرة كانت متعبة للغاية، لها، ولأبنائها، ولكن جدتي ارتاحت أخيرًا، والآن لا أملكُ سوى بعض الذكريات التي سأتمسك بها للأبد.

شكراً جدتي على كل شيء. 

اتمنى لكِ رحلة سعيدة إلى العالم الآخر.

الاثنين، 1 نوفمبر 2021

ليست التدوينة الأخيرة.

 

مش عارف إذا كان قرار صح إني أرجع للمُدونة هنا لمجرد إني أشير لينك لفيديو أنا عملته.

بس الفيديو ده تحديدًا relevant جدًا للتدوين (الشيء اللي واضح من عنوان الفيديو)، فـ هعتبر ده عُذر مناسب.



لو الفيديو مش باين عندك من الموبايل، إفتح اللينك ده:

الاثنين، 30 يوليو 2018

لا تحزَن إن كَثُر حديثك عن شيء تُحبه، مُجددًا.





أنا بحب براين إينو من زمان، الراجل ده عمل ألبوم من أحلى الألبومات المينمال والآمبينت اللي ممكن تسمعها في حياتك: Music for Airports : ميوزك للمطارات، وهدفه لما عمله كان زي ما إسم الألبوم موضّح بالظبط، يكون مزيكا هادية وبسيطة جدًا تشتغل في المطارات، تكون بعيدة عن كلاسيكية موسيقى القرن العشرين أو الجاز مثلًا، حاجة تعمل باكجراوند واضح يخفف التوتر والتنشَنة اللي في المطارات، وفي النفس الوقت متفرضش نفسها بزيادة، ولا تختفي تمامًا مع بقية الأصوات. 

في ٢٠١٥ إتفرجت على فيلم 
The end of the tour 

اللي كان بيحكي قصة الروائي ديفيد فوستر والاس، وهو أكتر روائي بتكلم/بكتب عنه - أنا آسف - في آخر الفيلم الأغنية دي إشتغلت.

Brian Eno - The Big Ship
https://www.youtube.com/watch?v=lCCJc_V8_MQ

ودي كانت أول مرة أسمع الأغنية دي تحديدًا لبراين إينو. المخرج إستخدم الأغنية دي لسبب واضح، إنها كانت من الأغاني المُفضلة لشخصية من شخصيات والاس في روايته الأخيرة. ديفيد كَتَب عن الأغنية دي الكلام ده:

"This song is making me feel both warm and safe, as though cocooned like a little boy that’s just been taken out of the bath and wrapped in towels that have been washed so many times they’re incredibly soft, and also at the same time feeling sad; there’s an emptiness at the center of the warmth like the way an empty church or classroom with a lots of windows through which you can only see rain in the street is sad, as though right at the center of this safe, enclosed feeling is the seed of emptiness."

مش هحاول بأي شكل أترجم النَص لإن ده هيدمر أي تلقائية وحُب فيه. 

الأغنية دي أستخدمت برضه في ٢٠١٥ في نهاية فيلم 
Me, Earl and the Dying girl,
وده كان فيلم جميل برضه. 

الغريب في الموضوع إن براين إينو ألّف الأغنية دي في ١٩٧٥، من ٤٣ سنة، وده شيء غريب، وجميل، وشوية مُخيف، إزاي إنسان طبيعي عِرِف يعمل موسيقى مودرن وترانسيندينت للدرجة من أكتر من إربعين سنة؟ أحيانًا بفكّر كده في الرقم، ١٩٧٥، وبفكر في البُعد الزمني ما بين اللحظة الحالية وسنة ٧٥، اللي هوّا دي السنة اللي كانت بَعد حرب أكتوبر بشوية، أو هيا السنة اللي اتعمل فيها فيلم الكرنك، أو هيا السنة اللي بابايا دَخَل فيها الثانوية... وبفكّر كان هيحصل إيه لسعاد حُسني لو سمعت الأغنية دي قبل ما تبدأ تصوير؟ أو بابا وهوّا رايح المدرسة؟ أو أنور السادات وهوا قاعد في مكتبه؟ كان هيحصل إيه لو الأغنية دي إشتغلت في التلفزيون بالغلط بدلًا من قارئة الفنجان؟ أو كان هيحصل إيه لو الأغنية دي وصلت لأسامة بن لادن وهوا تمنتاشر سنة ولسّه شاب والمُراهَقَة بتجري في دمه؟

معرفش. أنا عارف إن دي تساؤلات بريئة، وغبية، وساذجة، وملهاش إجابات، وبتبعدنا عن أصل الموضوع، وبتُفقِد الأغنية جمالها، وبتفرِض كلمات كتير فوقيها، وبتجبر أي حد يسمع الأغنية بعد قراية الكلمات دي إنه يسمعها وفي ودانه شخص بيـ أوفر-أناليز وبيـ أوفر-هايب أُغنية بسيطة عادية، وبتخليني دلوقتي متضايق من نَفسي لإني بتكلم عن حاجات كتير أكتر مِن مرة، وبتخليني أكتب العنوان اللي فوق ده وهوّا عنوان أصلًا كتبته قبل كده في تدوينة تانية، وعارف إن التساؤلات دي غالبًا هتخف حدتها بُكرة الصبح وإني هتفاجيء تاني -زي كل يوم- بغرابة وغباء وجَمال العالم… بس مش مشكلة. 

مش مشكلة.

٠٠٠
يناير، ٢٠١٨

الأحد، 1 أكتوبر 2017

الناس اللي بتاكل الناس هُمّا أكتر ناس محظوظة في العالم.


a drawing by anja susanj


يُمكننا أن نفعل أشياءًا شاعريةً خاليةً من المعنى، كأن نُمسِكَ مسطرة طويلة، نضع طرفها على الأرض، ونَمُد الطرف الآخر إلى القمر. نحسب السنتيمترات، ونربط أمام كُل سنتيمتر خيطًا رفيعًا ينتهي بورقةٍ يكتب فيها أحد سُكان الكوكب شيئًا ما عن نفسه، أو من ذكرياته، أو عن مخاوفه، أو من أحلامه القذرة أو الجميلة، ونفعل جميعنا الشيء نفسه، فيُصبح أمامنا مسطرة عملاقة ملئى بعددٍ لا يُمكن كتابته بسهولة من الأحلام والذكريات والتفاصيل البشرية الساذجة والعظيمة. 

 الأرضُ يُحيط بها غلافٌ جوي، ومِن ثَم لا نهائية من الفراغ والمجرات والنجوم والكواكب والذرات والالكترونات والأشعة والحيوات والكائنات الأُخرى. يُمكننا جدًا أن نحزن لأننا غالبًا لن نلتقي بتلك الكائنات الأخرى في الوقت القريب، ويُمكننا جدًا أن نبتلع الإكتئاب مع أقراص البانادول كُلما تذكرنا أننا سُجناء الكوكب وأن سُرعتنا -وإن بلَغَت الضوء- لن تسمح لنا أبدًا باكتشاف الكون بأكمله، يُمكننا جدًا أن نقول أنه لا معنى من وجود كُل هذا (الخارج) إن كان (الداخل) ما يزال لا نهائي الإكتشاف. أيوة، إحنا محبوسين في الأرض للأسف، وفي أنفُسنا، ويُمكننا -بسذاجة- أن نصبّر روحنا ونقول “طب ما النمل مثلًا لن يكتشف أبدًا مُتعة التحليق بالطائرة أو تناول التشييز كيك بالفراولة.. كلنا لينا حُدود للي نقدر نوصله”، ماشي، يُمكننا أن نفعل ذلك برضه، ويُمكننا أيضًا أن نَعي بالعالم من حولنا أكثر وأكثر، لنُصبح أكثر حُزنًا، أو نَعي بالعالم أكثر فلا نُصبح كذلك.

أنتَ واقعٌ في المشكلة الأبدية: أنتَ تعرِف حقيقة بعض الأشياء، الكثير لا يعرفون.


١- أنتَ حزين لأنك تعرف.
٢- أنتَ حزين لأن الآخرين لا يعرفون. 
٣- أنتَ حزين لأنك لا تعرف بما فيه الكفاية.

طيب، حد خَد بالُه إن القلب مالوش أي لازمة حقيقية في جسد الإنسان سوى إن يضُخ الدَم لباقي أجزاء الجسم حتى لا يتهالك ويقع الواحد في مكانه؟ كل شيء يحدُث فوق عينيك ووراءهما، في عقلك تحديدًا، أقل شوية من كيلو ونُص، عقلك حرفيًا هيخلي شكل أي حَد وِحِش إن استخدمه كـ دامبّل في الچيم، كل ما بداخلك هو داخل هذا الشيء: أفكارك، الفرحة، والحزن، اكتئاب ما قبل النوم، الذكريات، وقوعك في الحب، ادراكك للأشياء، النسيان، رغباتك المُلحة في التخلص والامتلاك، المعنى الذي تفرضه لوجودك، كُل ده داخل عقلك، يتنقّل بشكل لا نهائي بين الخلايا والروابط العصبية. 

يتسع عقل الإنسان لنسبة محددة من الذكريات والأفكار، نسبة هائلة آه ولكنها ليميتد، يُمكننا إذن بسهولة إعطاء أوزان كَميّة لما بداخل عقلك، وزن الذكريات وزنًا فيزيائيًا، رُبما مثلًا فيه في دماغي دلوقتي ٤ ميكروجرام من الخطط والمشاريع المؤجلة، ٢ ميكروجرام من الأحلام التي أعرف يقينًا أنها لن تتحقق،  ١ ميكروجرام من الذكريات السعيدة المُرتبطة بالطفولة ونسبة مساوية للذكريات التي أود إزالتها، لن نعرفِ أبدًا أرقامًا حقيقية ومؤكدة، وهو شيء حزين، وجميل.  


بالنسبة لي تبدو عملية الخَلق هُنا هي الشيء الوحيد القادر على إعطاء المعنى لوجودنا البشري، ليس الإستهلاك، أو السعي وراء معرفة ما وراء الكون المرئي، أو اللذة، أو الرغبة، أو الرغبة في القضاء على الرغبة، أو الإصلاح أو الإفساد. فقط الخَلق. الـcreation. خلق الموسيقى، الكلمات، الأفلام، الكتب، المباني، الروايات، الأفكار، الدواء، الأكلات، المعتقدات، الأديان، الفلسفة. أن تخلُق هو أن تضع تفسيرًا لوجودك... ولأننا عالقين هُنا في كونٍ لا معنى له، سيكون من الأفضل كثيرًا أن نَخلُق أشياءًا لطيفة، بدلًا من أن نَخلُق نهاية العالم بأنفسنا


xx

*العنوان هو ترجمة غير دقيقة لألبوم موسيقي للفرقة AJJ.

الأحد، 27 أغسطس 2017

محاولاتٍ غَير مُجدية لمواجهة صَخَب العالم


صورة لعباس كيارستامي، ٢٠٠٥


(١)

في المرة القادمة التي تَرونني فيها أنزلوا عيونكم إلى الأرض رجاءًا، بهدوء، تجنبوا النظر في وجهي، يمكننا سويًا أن نَخلُقَ حِوارًا صامتًا، أتحرك في اتجاه وأنتم في الاتجاه الآخر، نظرات تائهة، ٨٠٪ أرض، ١٨٪ سرَحَان مُصطنع و ٢٪ التقاء أعين مرتبكة، يمكننا أن نتفق علي أنصاف ابتساماتٍ حقيقية، خالية من الاحترام أو الحُب المُزيف، انصاف ابتسامات غير صفراء، أنصاف ابتساماتٍ من القلب، وكأن كلانا يقول للآخر “ربما في يومٍ من الأيام سننجح في أن نقولَ ما هو أكثَر من مجرد كلمات”. 

الحوارات التي تدور مع الآخرين ليست إلّا ملء فراغات; تغطية لأرواحٍ أكثر ثقلًا من المحاولة، كلماتٍ يمكنها أن تُخلَق كل يوم وكل ساعة مع أي حد، استمارة فاضية تُملأ بسرعة، مضربي بينج بونج يضربان كرات لا تود شيئًا من العالم سوى أن تظل وحيدةً قُرب الشبكة.

(٢)

 لستُ أنا من يتحدث معك الآن، لست أنتَ أو أنتِ من يتحدث معي الآن. نحنُ لسنا نِتاج آخر شوية إيموچيز استعملناهم، أو آخر حوارٍ أجريته مع صديقك عن السينما، نحنُ لسنا آخر حاجة مهمة عملناها في حياتنا. نحنُ لسنا الصورة التي خلقناها بأنفسنا لأنفسنا، أو الصورة التي ألصقها الآخرون بنا. نحنُ نِتاج ما بعد المعركة; سلسلة مُستمرة من الجروح التي تلتئم وتَسيلُ دمًا كل يوم، الكائنات المهترئة التي تتحدث إليها كل يوم قبل أن تنام. نحنُ ما سيتبقى مِنّا في النهاية.

الآخرون ليسوا الجحيم بالمناسبة، نحنُ كذلك.

(٣)

هناك ثورة ما تُخلق بداخلي من حينٍ لآخر، رغبةً في تحطيم القوالب، إعادة نشر الكلمات وخلقها وتدويرها والزَن على دماغ الناس بأن ركزوّا يا جماعة، والله العظيم نحنُ نسير في نهايتنا بخطى مستقيمة وبهمةٍ عالية، وأرواحنا إن تركناها لهم فلن يتبقى لنا أي شيء على الإطلاق، لقد أخذوا كل شيء، وما تبقى لنا يمكننا أن نحافظ عليه قبل أن يختفي تمامًا، يعني مثلًا، ما الذي نفعله الآن في هذه اللحظة؟ أليس من الأفضل أن نخرج ونقرأ القصائد لبعضنا البعض تحت ضوء القمر، وإن كان غير مكتمل؟… ولكن كل هذا ينطفيء مع الوقت، تتمدد الفراغات، ويبدو ما بداخلي ضعيفًا، هشًا، غير قابل للخروج بشكلٍ لائق.

ما يدور بداخلي يبدو بالنسبة لي بضخامة جبال الألب/بعرض السماوات والأرض/متاهة لا نهائية، اختر تشبيهًا يُعجبك. ما يدور بداخلي كثير، وضخم، ومُتشابك، ومِلَعبِك، وأسود اللون. ما يدور بداخلي ليس بالنسبة لك إلّا مجموعة من التشبيهات، كلماتٍ تتكون من أصفارٍ وآحاد يمكنك بسهولة أن تـ سكرول داون وتتخلص منها، كلماتٍ يمكنها أن تُطبَع على ورقةٍ يحركها الريح، أو في كتاب يُغطيه التراب في مكتبتك المنزلية. ما يدور بداخلنا غير قابل للشرح، كما الألم بالضبط: في العيادة يسألك الطبيب أن تشرح له مقدار الألم الذي تشعر به، “حاسس بوجع قد إيه، على سكيل من واحد لعشرة”، ولكن ألمك غير قابل لأن يُحوّل إلى قيمة عددية، ألمنا الفيزيائي والنفسي والعقلي هو حقيقة مُطلقة، ألم الآخرين مُجرد كلمات.

(٤)

هذه الكلمات مُوجهة لي، وللآخرين، وللخالية قلوبهم من المعنى، وللباحثين عنه، وللتاركين أنفسهم لأنفسهم، وللتاركين أنفسهم للآخرين، ولمن يبكون قبل النوم، ولمن يدّعون بأنهم لا يفعلون، ولمن يضعون أقنعة على وجوههم قبل ملاقاة العالم، ولمن يحاولون خلع أقنعتهم، ولغير القادرين على ذلك، ولموظفي الشركات المُجبرين على خلق ابتساماتٍ في وجوه عملائهم، وللكارهين العالم، ولمحبينه، ولصانعي فقاعاتٍ صغيرة تكفيهم،  وللغارقين في أحلام اليقظة، وللتائهين، والحزانى، والهاربين من أنفسهم، ولمن وَصلَ منهم إلى شيءٍ أكثر كَمالًا، ولِمَن لم يصل: أعتقد أنني مَدينٌ بإعتذارٍ لكم، كل ما استطعت فعله هو كتابة عدد من الكلمات التي ستبدو لكم عديمة القيمة، ولكن لا حَل أمامنا غيرَ ذلِك. آسِف. أُحِبَكُم.

--
٢٧ أغسطس ٢٠١٧

الأحد، 18 يونيو 2017

لن أكتشف العالم من حولي اليوم لأنِّي إتأخرت كتير في صلاح سالم.


a drawing by anja susanj


لا أعرف شيئًا.

البداياتُ جميلة، وساذجة: قلمٌ وكراسةٌ جُداد تشتريهما من مكتبة تُدعى 'مدبولي' في الحلمية (مش اللي في ميدان طلعت حرب)، قهوة بلدي شِبه ممتلئة لا يفتحُ صاحبها التِلفاز بصوتٍ عال، وصوت مُرتاديها يمكن مزجه بأصوات الشارع ليخلُق تراك صوت آمبينت مُحترم لا يَخرُم سماعات أذُنَك الداخلية، كُرسيّ بلاستيكيّ أخضر وزُجاجة مياه، ورغبة عارمة طفولية في أن تقتل بياض صفحات الكراسة القابعة فوق فخديك. تفتحُ الصفحة الأولى، تنزع غطاء القلم، وتضع قلمك في أقصى اليمين العلوي للصفحة.. وتَسكُن.

بقعة الحبر أسفل القلم تتمدد ببطء، ولا شيء يخرُج من رأسك في اتجاه الأوراق غير طنين مستمر، بقعة الحبر تتمدد وتتمدد وكأنها قد ضلّت طريقها عن الاختبارات السيكولوجية التي وضعها روشاخ. أنتَ في مكانك، الجو حَر ولكنك تشعر بتيارٍ باردٍ من الهواء.

لا أعرف شيئًا.

مُجددًا، أكتب عن الكتابة مُجددًا. أكتب سيناريوهاتٍ عن شاب يجلس في قهوة في الحلمية يكتب شيئًا لن يقرأه أحدًا من هُناك، أخلُق معطياتٍ تُشبهني ولا تفعل، يقرأها صديق فيلعن أم النرجسية يا أخي، وأقرأها مجددًا يوم غدٍ فينقبض قلبي.

أُحب الصالحين ولستُ منهم، يعني مثلًا سولينج في فيلم الأطفال “أسطورة سولينغ” كان رجُلًا صالحًا (الفيلم لمن لا يعرفه هو آنيمي كان يُعرَض زمان، يحكي عن حاكم صيني يُقرر أن يترك كل شيء ويمضي في رحلةٍ لاكتشاف العالم بصحبه قِطه السمين)، يُغني سولينج في أغنية شهيرة يعرفها الكثير من أطفال التسعينات أنه قد “حان الوقت لكي أكتشف العالم من حولي بجلال، وأرى حقيقة الأشياء”. هذا ليس سهلًا. هذه حكمة كبيرة وجمالٍ لن يفهمه طفلٌ جالس أمام التلفاز ليؤخر موجات الإكتئاب لمراحل المُراهقة.

لا أعرف شيئًا.   

أعتبر الكتابة بالفصحى في وسيطٍ بقُبح وتطاير الإنترنت كوسيلةِ دفاع، إختباء وراء صرامةٍ وقسوةٍ وقدرٌ بسيط من الجمال، صخور بحرية مُغطاة بطبقة رقيقة من الشيكولاتة البيضاء. الكتابة بالعامية بتعّريك وبتخليك حقيقي لدرجة بتخوفّك.. بتخوفني.. بتخليك تكتب “عنّك” بدلًا من “عنّي” هربًا من المواجهة الشخصية. الكتابة بالفصحى تخلُق جِدارًا بينك وبين القاريء، لأنها تُقدمك بوقارٍ لا تفعله العامية، وتعطي للآخرين مساحة من الفهم (الخاطيء) بأن هذه قطعة أدبية جميلة، وما يبدو كنداء إستغاثة ما هو إلا قصيدة لطيفة للغاية، فمخّك أكيد لا يُفكّر بالفصحى؟ مش كده ولا إيه؟ هاهاها.. ها؟

لا أعرف شيئًا.

في يومٍ آخر سأستيقظ من النوم بـ بالتة ألوانٍ مُختلفة، سأستيقظُ برضا كامل عن كل شيء، سأنزل إلى الشارع لأجري حوارًا من القلب مع شخص لا أعرفه، سألقي أبتسامةٍ حقيقية في وجه فتاة تنظر لي باحتقارِ واضح، وسأحتضن كلبًا شاردًا في ناصية الشارع، سأذهب إلى البوسطة لأشتري طوابع بريد لأرسل رسائل ورقية لكل من أحُب شارحًا فيها ما أكنه في قلبي حقًا لكلٍ منهم، وفي حركةٍ عابرة سأذهبُ إلى مكتبةٍ صغيرة في الحلمية لأشتري كراسةً وقلمًا بـ٧ جنيه، وأجلس في قهوةٍ صغيرة لأكتُب عن ما أشعر به في هذه اللحظة، سأفشل، وسأصرف النظر عن الفكرة، وسأُكمِل يومي كما لو أن شيئًا لم يحدُث. 

الجمعة، 18 نوفمبر 2016

لسنا دلافين: أو ربما نكون كذلك؟


تصوير المخرج الإيراني، عباس كيارستامي

(١)

  نلجأ جميعًا إلى علاماتٍ مرئية وحسية، إيمائات، نواصي محددة في الشوارع، علامات تتركها الأكواب على خشب الموائد، روائح بيتية كعطر الجدة الدائم، وإلى آخر ما يمكن أن يعتبره الآخرون هراءًا. نلجأ جميعًا إلى هذه العلامات لتذكرنا بأساسيات لا نذكرها، أصولٍ لشيء ما لا نعرفه، قواعد لحالةٍ لا نقدر على وصفها، ولكننا ندرك يقينًا بأنها كانت خالية من أي تجملات إجتماعية. نلجأ إلى العلامات، نستنشق الدلائل، نبحث عن ما يذكرنا بالماضي، الماضي الذي لا ندّعي جماله، ولا نرغب بالضرورة في عودته، ولكننا نخلق له أبوابًا يمر بها دافعًا النوستالجيا في صحبته، النوستالجيا التي تخلق ألمًا فاتنًا يزورنا في أوقاتٍ يخفت فيها صخب العالم، ألمًا أطهر من أن ترفض زيارته اللطيفة.

(٢)

  أحيانًا نشعر بحزن أزرق، بسيط، هاديء، شبح اكتئاب قادم من بعيد ليلقي تحيته ويغادر، ذكريات سعيدة تكتسب حُزنًا عند مرورها ببوابة الحاضر. أحيانًا نشعر بحزن أزرق، بسيط، هاديء، كحديقة أطفال لا يزورها أحد، كمطعم أوروبي خالٍ من البشر، كمحيط أسود لا تصله الشمس، تسبح فيه الدلافين سعيدةً وعمياء في آن واحد.

لا أعتقد أن الدلافين التي نعرفها سعيدة كما تبدو، الدلافين ليست تلك الكائنات المُحتجزة في تلك الأقفاص الزجاجية وحمامات السباحة، ليست تلك الكائنات التي تقفز بين حلقات دائرية وتستمع إلى صفارة مدربها فيصفق لها الأطفال ويلتقط بجانبها الكبار صورًا تذكارية، هذه كائنات حزينة -ليكن الربُ في عونها-، ولكنها ليست دلافين بالتأكيد. إن أردت رؤية دُلفين حقيقي فسافر إلى أي جزيرة في المحيط الأطلنطي، وأركب ياختًا لوحدك، وأذهب إلى منتصف المحيط وانتظر الدُلفين ليقفز خارج الماء، ما إن يحدث ذلك ابتسم في وجه الدولفين وأرسل له قبلة في الهواء وإن كان لديك ما يكفي من الوقت لا مانع من أن ترسل التحية إلى باقي العائلة، ما إن يختفي الدُلفين عد بالياخت إلى اليابسة، إركب الطائرة، عد إلى بلدك، ونم سعيدًا في سريرك الدافيء (أو تعالى نقعد مع بعض لنضع سويًا خطة إقتحام للأكوا بارك -أو أيًا كان اسمها-لنخطف في الآخر الدلافين ونعيدها للمحيط، هناك ممكن نبقى نشاور لها من بعيد برضه).

(٣)

  لا أثق في ذاكرتي، لا أعرف إن كنت سأظل أذكر أنني كنتُ أحب ما أحب بعد عشر سنوات من الآن. الحب مستمر وزائل، متصل منقطع، ذاكرته بلهاء وجميلة.

أحيانًا تبدو الكتابة الشخصية وسيلة لتأريخ تفاهاتٍ ظلت عالقة بداخلي، تفاهاتٍ قد لا تكون كذلك، فمثلًا يعني، ما زلت بعد أربعة سنواتٍ أذكر ثلاثة ثوانٍ عَلِقَت داخلي من فيلم Only Lovers Left Alive لجيم جارموش: في بداية الفيلم نرى أن تيلدا سوينتون -والتي تلعب دور مصاصة دماء- تعيش في المغرب، تذهب في يوم من الأيام إلى المقهى وتقابل مواطنًا مغربيًا يطمئنها على حالة صديق قديم، يخبرها بأن أسراره وأسرارها في أيدٍ أمينة، -التلات ثواني تبدأ من هنا- فتبتسم خافتةً وتضع يدها اليمنى على قلبها وتحني رأسها بخفة. تظل تلك الإيماءة في قلبي تأريخ لأكثر إيماءة بشرية صادقة. أعتقد أحيانًا أننا يجب أن نُلغي كافة المصافحات والمقدمات وبدايات ونهايات الكلام، ونكتفي بإيماءة واحدة صادقة كهذه.

أيا ذا القلب، إلعب مع الزمن، تصالح معه، دعه يجري، ودعنا نكتشف مدى حبنا للأشياء. 
.

الخميس، 7 أبريل 2016

كنتُ أنوي كتابة شيء يقع تحت عنوانٍ يتضمن تحويرًا لاسم رواية كونديرا الأشهر 'كائن لا تُحتمل خفته'، ولكن شعورًا ما بالخداع والغيرة أحاط الموقف؛ غيرة من كونديرا لأنه كان أول من إستخدم تعبيرًا بهذا الجمال، قبل أن نأتي -نحن أشباه المثقفين- لنستعير كلماته بدون وجه حق، وخداع لأنه الوصف المناسب إن حاولت لصق الخفة بأي شيء، نحن نعيش أيامًا ثقيلة بكل المعاني. على الكاتب المحترم أن يجد تعبيراتٍ توضح ما يقصد بكلمة مثل الثِقَل، ولكني مش محترم كفاية، أعرف فقط أن الثِقَل ها هُنا هو عكس الخفة؛ الِثقَل، كما هواء القاهرة المتخثر ليلة أمس، والخفة، كما -ببساطة- أن تملك ما يكفي لغض النظر عن ذلك.

الأربعاء، 30 مارس 2016

الحبُ كلب، وأنتَ أيضًا.


Annie Hall, Woody Allen, 1977


يا الله،
ماذا أفعل الآن بكافة هذه الكتب التي لم أقرأها بعد؟

ج: حسنًا، سأحب إحداهن، وسأعطيها نصف كتبي، ولكن لأني لم أقرأ بعد ذلك النصف الذي أهديته لها فسأبقى جاهلًا بما فيه، مما سيعطيها الفرصة في أن تستغل معلوماتها التي اكتسبتها من هذا النصف- الذي هو بالأساس نصفي- ضدي، وبما أني أملك نصفًا آخر من الكتب التي لا تملكه هي سأحصل على نفس الفرصة، ولكن بما أني أؤمن بأني كاتب (رغم عدم وجود أي دليل على ذلك) فسأكون مشغولًا في كتابة الرواية التي تُخلد قصة حبنا، ولكن كتابتي للرواية سيشغلني عنها وعن نصف كتبي، مما سيقلل من حبها لي وسيزيد من ارتفاع الكتب في مكتبتي المنزلية. ولكن لأني كتبت بالفعل في الصفحة الأولى من الرواية أنها نصفي الآخر (رغم عدم وجود أي دليل على ذلك) ولأنني أؤمن بأن كل ما أكتبه صحيح بالفطرة، حتى لو كان في قالب أدبي (رغم عدم وجود أي دليل على ذلك) فأنني سأستمر في حبها حتى أنهي الرواية التي تخلد قصة حبنا أثناء كتابتي للرواية. وقتها وقبل أن أتركها للأبد سأطلب منها استعادة نصف كتبي الآخر لأنني أحتاج إلى قراءته الآن أكثر من أي وقت سابق.

الجمعة، 29 يناير 2016

حَدِّثونا عن غير الموت.






مِن فترة، قَررتُ وبشكل غير واعي تمامًا، أن أُوقِفَ مشاعري العبيطة ناحية الثورة: تمجيدُ الثورة المُستَمِر والنظر إليها بحماسٍ عاطفي، الإيمان واليقين الدائم بإن للبدايات الجَميلة نِهايات جَميلةٍ أيضًا. بدون وعيٍ واضح ببداية التَدرُّج توقَّف حديثي بِشكلٍ سلس عن الثورة، وانتقَلَت دائرة إهتمامتي إلى أمورٍ أكثَر أهميةٍ في الوقت الحالي، كدراستي وشغلي، وإلى أمورٍ أخرى أكثَر تجريديةٍ كأفلامِ الحقبةِ الفرنسية الجديدة.

أؤمن بأن الثورة هي أفضل ما حدث في السنواتِ الماضية، وأعرفُ أنَّ مَن ماتوا هُم أفضل ما فينا، ومَن قتلوهم/دافعوا عن قاتليهم/تاجروا بدمائهم هم أحقر من أنجبتهم الأرض، وأعرفُ أنّ تِلكَ الأيام كانت الأجمل والأنقى والأطهر والأصعب على الإطلاق. ولكن لفظة مثل “الثوّار" مثلًا أصبحت تَرتبطُ في دِماغي بقنواتٍ وإعلاميين وحِواراتٍ مُقززة. وتُصبح كلمةٍ مثل الثورة مُدعاةٍ للتخوفِ مما يليها، الخوفُ من إقحامها في أغنيةٍ بشعة، أو رأيٍ عبيط، أو مقالةٍ مُستفّزة، أو مونولوج تلفزيوني يُبغِّض الكلمة في قلوبِ الناس. ولَكن بعيدًا عن القوالب التي توضع فيها كلمة الثورة، يبقى في القلبِ مَكانًا لها بكل ما يرافق الكلمةِ من عاطفةٍ ساذجة وحنينٍ جميل.

 الثورةُ مِثل الحُبِ تمامًا، حالمة وانتقائية، ملهاش لِجام، دامية ولها خسائر، والحديثُ عنها من وجهة نظرٍ شخصية رِخِم جدًا ويُجبرك على إقتحام بحر الكليشيهات وإستعمال الألفاظ الحالمة التي تتقزز مِن قراءتها في أغلبِ الأحيان. ولكنها كالحُب، تبقى جَميلة ونقية، طالما بَقِيت داخل القلب. 

تقول إحداهن “لسّه في أمل”، فيرد عليها آخر بأن “أمل ماتت خلاص”. جملة أخيرة كهذه تُحترم كـ لاين يُقال أو يُكتب تحت تأثير الإحباط والإكتئاب من المشهد السياسي العام، بس مش أكتر، وأعتقد أننا جميعًا يَجب علينا أن نظل فاكرين المباديء الإنسانية الأساسية: الأمل مقترن بالوجود البشري، وطالما نحن موجودون في العالم، فالأمل سيبقى موجودًا. بس كده. ما حدث لم يكن بسيطًا أو سهلًا بأي شكلٍ من الأشكال. ما حدَثَ كان صَعبًا ومُكلّفًا ونابعًا من قناعات شخصية بأن الحُرية أهم من أي حاجة تانية، والحديث عن أي أملٍ في وقتٍ كهذا ليس أمرًا هينًا بالتأكيد، ولكنه ممكن.   

في الفقرة السابقة مثلًا تَوَرطُّت في الحديثِ العاطفي عَنِ الثورةِ والأمل، وغالبًا إن حَدَث وقرأت هذا الكلام مُجددًا سأستاء من نفسي، وهو نفس ما يحدث عندما أتورط في الحديث عن شيءٍ أو شَخصٍ أحبه، وهو ما لا يُفترَض أن يحدث بالتأكيد. نحتاج لأن نجلس سويًا لنتحدث بدون خوفٍ عاطفي/سياسي عن الثورة والأمل وكل تلك الأشياءِ الجميلة، لنتحدث سويًا عن أي شيء، أي شيءٍ غيرَ الموت.


“هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا”.
 -رضوى عاشور.

الثلاثاء، 12 يناير 2016

شكرًا لساعي البريد






الرجل الصيني أو الياباني (أو الـ شرق آسيوي وخلاص) الذي كان في حافلة النقل الجماعي التي مرّت أمام محطة الإسعاف في الخامسة عصرًا اليوم في وسط البلد كان ممسكًا بكاميرا ديچيتال صغيرة أتوقع أنها منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، ربما ٢٠٠٤ مثلًا وقتَ أن أصبحت الكاميرات الديجيتال موضة و٤ ميجا بيكسل ساعتها كانت كافيةً لصُنع صور شخصية وعائلية عالية القيمة المعنوية ومنخفضة الكواليتي. الطريق كان واقف والزحمة كانت قاتلة كعادتها وركاب المترو وقتها كانوا أكثر حظًا من ركاب الأتوبيس، ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للرجل من شرق آسيا، الذي كان ينظر للشارع في سعادة وانبهار يليقان برجل عجوز يحمل كاميرته في يده وشنطته حول رقبته وثقافته في دماغه، حرّك الرجل رأسه لتلتقط عيناه جزءًا من دار القضاء العالي وأخرج كاميرته ليحاول التقاط الصورة. كنت مارًا أمام سلالم دار القضاء العالي، تحرك الباص حيث أصبحت نوافذه الجانبية أمامي بالضبط. وجّه الرجل كاميرته ناحية المبنى/ناحيتي، وبدلًا من أُسرِع الخُطى لأبدو في الصورة بشكلٍ ضبابيّ كمواطن يسير مُسرعًا مُتجِهًا نحو تحقيق أهدافه الحياتية آثرتُ التوقف والنظر -بابتسامة حاولت أن لا أجعلها بلهاء- إلى الكاميرا. وقبل أن أنطلق في طريقي كنّا قد تبادلنا نظرة وابتسامة ضمنية لم يتعدى عمرها الثانية الواحدة كإقرارٍ من كلانا على وجود الآخر في هذا العالم. 


أفكر في أنه عندما سيعود ذلك الرجل إلى بلده سيجلس مع زوجته وأحفاده ليعاود النظر في الصور التي التقطها، وعندما يصل إلى صورة دار القضاء العالي وبعد القليل من الزووم-إن سيجد ذلك المصريّ الذي توقّف له في منتصف الصورة وابتسم -فقط- بدون أن يهز يده كالأبله أو يسعى بالترحيب به في مصر مثلًا. سترى حفيدته الصغرى الصورة وستعقّب باللغة اليابانية/الصينية لتقول شيئًا ما عن ذلك الفتى، بدون أن تدري أنّه بدورهِ قد كتَب شيئًا ما عنها، وعن جَدِّها، ذلك الرجل القادم من دولةٍ لا يستطيع ذلك المصري تحديدها بالضبط.


الأحد، 27 ديسمبر 2015

سأندم ولكن ليس كثيرًا، فلا بأس.



قط في الشارع يقف على كرسي قديم، ليس القط المذكور في التدوينة بالطبع (٢٠١٥)

لم أعُد أقرأ كثيرًا. أقرأ، ولكن ليس كما مضى. لم أعد أكتب كثيرًا، أكتب، ولكن ليس كما مضى. القراءة تشعرني بالأمان، والكتابة الحلوة تستفز قلمي، أكره الجُمَل الشبيهة بالجملة السابقة، التي تستعير الشيء لتُعبًّر به عن الفِعل: تستفز “قلمي" بدلًا من "تستفزني لأكتب"، تُحطم أحـــــلامي بدلًا من “تُحطم فكرة ما لدي”، "تُدمر قلبي" بدلًا من “تؤثًّر فيّ عاطفيًا أو نفسيًا بشكل لا يمكن تحديد نطاق تأثيره مما يجعلني أستعين بالقلب كدلالة غير واضحة على فَرَط الأوڤرويلمنج”.

كتبت من قبل تدوينة عن القطط والموسيقى والأحلام المنسية، راجعت أخر كتاب قرأته، كان لهاروكي موراكامي، مسحت التدوينة قبل أن أنشرها. كتبت بعدها بيومين عن القطط مرة أخرى، وهذه المرة كانت الكتابة تشبهني، أو على الأقل آمنتُ بذلك، كنت واقعًا تحت تأثير عناق طويل مستمر من طرفٍ واحد لقطٍ مشمشي اللون أجده يطوف أحيانًا حول إحدى مباني الجامعة، لم تكن تدوينة أفخر بنشرها ولكنها كانت تحت سطوة مشاعري المتدفقة نحو هذا القِط منطقية وجميلة وقابلة للقراءة، مسحت بدون قصدٍ التدوينة ولم أفلح في استعادتها. لم أحزن. الأمر الذي جعلني أفكر في جدوى كافة الأشياء الجميلة التي تحدث لنا وما مدى أهمية الكتابة عنها/توثيقها من عدمه.

أذكر مثلًا في شتاء ٢٠١٣ إني كنت بطبع شغل للجامعة في مصر الجديدة، الدنيا كانت بتمطٌر وإحساس عميق بالامتنان للمطر والشجر والرب كان يغمرني. كنتُ أُفكّر وقتها في أن أعود لأكتب شيئًا ما عن ما الشعور الذي راودني للتو، لكني لم أفعل، ربما لأني لغيت الفكرة فورًا لأننا لسنا في حاجة لـ بوست مراهق ميديوكر آخر عن المطر والشتا والخراء المشابه، وربما لأن الحاجات اللي طبعتها اتبلت في طريق عودتي للمنزل واضطررت أن أعيد طباعتها أكثر من مرة مما جعلني أعود إلى المنزل وقد نسيت كل شيء.

ولكن هاي، أنا لا أفعل ما أريد بالضرورة، ذاكرتي ومِن بعدها دماغي ستجعلانني أجلس وحيدًا لأكتب هذه الكلمات. الآن وبعد أن تذكرت الواقعة السابقة وكتبت عنها (الواقعة هنا كلمة كبيرة جدًا لوصف موقف كهذا، الموقف أيضًا كلمة كبيرة) أعرف أنني سأنام بقدرٍ بسيط من تأنيب الضمير، بس عادي. أحيانًا تكون الكتابة أشبه بقرن شطة يناديك جماله لأن تتناوله وتبكي.

الأربعاء، 29 يوليو 2015

نحن لا نعيش في فيلم آنيمي، للأسف.


2015


المعرفة تولِّد الإيمان، والإيمان يُغذِّي المعرفة. والجهل نقمة، وفضيلة.

لا أستطيع أن أجزم بوجود أو عدم وجود العوالم الموازية. أنا فقط لا أعرف. لا أعرف مدى إمكانية وجودها من عدمه، ولكن إن كانت هناك بالفعل عوالم موازية، فإنني سأحب أن أشهد بعض التقاطعات بين عالمنا والعوالم الأخرى (لن تصبح موازية إن تقاطعت، زائد إن هيطلع عين أبونا عشان نحاول نصلِّح ما نَتُج من عبث في التاريخ والمنطق وحياة البشر نتيجة ذلك التقاطع، بس مش مشكلة).

في عالمٍ موازٍ لنا، كُنتُ سأولد في القرية، أحرث وأرعى، وأساعد أمي والرب في تربية ديدان القز وخلق الحرير الأبيض، كنت مع التدريب الكافي سأكتسب القدرة على اجتناح الرياح تحت ذراعيّ مما سيمكنني من الطيران مع المحاولة المائة والسبعة والعشرين. كنت سأكتب الشعر وأرمي قصائدي التي لم أرضَ عنها في النهر، وأعيد الكتابة أكثر من مرة حتى أصل إلى قصائد أحبها وتُحبني. كنت سأحتفظ بقصائدي تحت المخدة ليلًا وأقرأها على أصدقائي صباحًا. كنت سأستغل موقع منزلنا القابع أمام الوادي المُشجر في اصطياد وتربية اليرقات المضيئة. كنت سأحتفظ بتلك اليرقات في برطمانات زجاجية وأهديها لأفراد أختارهم عشوائيًا من سُكان المدينة التي تقع عند سفح الجبل.

في ذلك العالم الموازي، كنت سأقترب منهن، من كافة الفتيات الجميلات، وأخبرهن عن مدى جمالهن وعن الماشية التي أستيقظ كل يوم في الصباح الباكر لرعايتها، وأُودع كلًا منهن بعصافير أوريجامي ملونة.

صَدَق أينشتين وتَبِعَهُ طلال فيصل حين أخبرانا بأن الخيال أقوى من المعرفة. ولذلك، في عالمنا هذا، غير الموازي إلا لنفسه، والذي تبدو فيه الكتابة عن العوالم الموازية خيالًا قميئًا، لا يمكنني أن أفعل شيئًا سوى أن أدعو لتمجيد الخيال، مهما بدا لنا رخيصًا أو مُدعيًا.

الجمعة، 19 يونيو 2015

بحثًا عن ملحمة |١| السماء والأرض





العالم كبير، جدًا.

ما يميّز الكائنات الحية، النباتات والحيوانات والحشرات والبشر والفطريات والكائنات الدقيقة كالبكتيريا والميكروبات والجراثيم، إلخ.. ، أننا –جميعًا-خُلقنا على قدرٍ كبير من الدقة والتعقيد الشديدين، وهو ما يجعلنا جميعًا –وبعيدًا عن أي محاولة للبحث عن مدى إعجاز الكون في صناعتنا- مخلوقاتٍ/كائناتٍ تستحق التبجيل المتبادل، الاحترام المتبادل، القليل-أو الكثير- من الحب.

وبالرغم من ذلك، نبدو نحن –البشر، الهوموسيپيانز- أكثر غرورًا ومركزية، وكأن كل الكائنات الحية الأخرى هي مجرد جزء من تجربتنا الكونية اللطيفة (التي نؤمن بأننا مَن نتحكَم بها تحكمًا كاملًا)، ويصبح الداعي منّا للتبجيل والتقدير المتبادل تافهًا بتفاهة إينفيرومنتاليست لا يُدرِك أن العالم كله قد خلق من أجل سيادته.


ما نحتاج أن نتذكره دائمًا، هو أنه هناك مُتسع للجميع. والحقيقة هي أن ملعبنا كبير، وحدودنا في أضيق حالاتها ستكون السماء. فاستمتعوا، والعبوا مع بعض.


الأحد، 7 يونيو 2015

فراغ بين قوسين.




سيجيء ذلك اليوم.. فبعد أن نكون قد خُضنا معارك صغيرة، غير ملحمية، وغير مُجدية، وبعد أن نكون قد اقتربنا ممن نُحب بالقدر الذي يكفينا (لم نكن أبدًا طمّاعين، لم نرغب في الإقتراب أكثر)، وبعد أن تكون قد تحركت مشاعرنا الباردة بما يثبت لنا أننا لسنا بموتى-أحياء، وبعد أن تكون قد خلت ليالينا من الابتسامات غير المبررة التي كانت تباغتنا قبل النوم، وبعد أن نكون قد تخلصنا من عدد لا بأس به من مخاوفنا التافهة، وبعد أن نكون قد أعلنّا مُراهَقـَتِنا الجميلة، الساذجة، بأن نربط الثورة بالحب، والدَمَ بالشِعر، والعَدْل بالسماء، وبعد أن نكون قد تعرفنا إلى أرواحٍ جديدة، وبعد أن نكون قد عَرِفنا أوجه مختلفة للشغف، وأصبحنا نعرف –أخيرًا- أكثر من تعريفٍ للحُب والشجر والشمس، وبعد أن نكون قد أخبرنا من نود أن نخبرهم بالأشياء التي كنا نود فعلًا أن نخبرهم إياها، وبعد أن نكون قد وصلنا إلى بلدةٍ صغيرةٍ نحبها ولا يبادلنا سُكانها الحُب... سيكون علينا أن نتوقع مجيء ذلك اليوم...اليوم الذي تبهت فيه أصالة الأشياء، وتفقد فيه الرسائل التي جاءتنا بريقها، وتعود فيه الأرواح المحُلقة إلى أصحابها...اليوم الذي سيكون علينا أن ندخل فيه بأنفسنا، طواعيًة، إلى الفراغ... الفراغ الذي يلتهم كل شيء.... الفراغ الذي يبتلع نفسه، حتى يخلق لنا قصصًا جديدة لنعيشها.... الفراغ الذي يبدو –وبالرغم من كل الحزن والألم الذي أوصلنا إليه- باعثًا للحنين.. مُطهرًا... وجميلًا.
  
  ___
عنوان التدوينة مُستوحى من ألبوم "untitled" للفرقة الآيسلندية "سيجوروس":
https://www.youtube.com/watch?v=fQt-7iUhBwo

الاثنين، 25 مايو 2015

ألم خفيف كريشة طائر.




بيرسيبوليس، فيلم لـ مارجان ساترابي، 2007


قلبي يحب الفرحة (أي قلب لا يحبها؟)، ولكنه لا يحتمل الفرحة الكاملة، اللحظات الخفيفة التي تخرج منها برضا لا يشوبه نغص في القلب. قلبي لا يحتمل السعادة الكاملة، ليس نكدًا ولكنه إدراك خفي بوجود أراضٍ مظلمة في القلب تمنع اكتمال تَقبُلي للفرحة، فرحتي أو فرحة غيري. في وسط البلد، فتاة عشرينية تسير مع صديقاتها، فجأة تدور حول نفسها دورة واحدة وكأنها بداية لرقصة لن تكتمل، وتُكمِل سيرها. ده شيء جميل كان في طريقه لأن يكون شيئًا أكثر جمالًا، وهذا في حد ذاته هارتميلتينج وكل حاجة، ومع ذلك، أتحسس قلبي وأشعر بألم بسيط أخف من أن يظل مُختزنًا لآخر اليوم وأكبر من أن أنساه عند العودة للمنزل.

يومًا ما وبدون تخطيط مسبق سأرقص. سأتخلى عن خجلي من أن أبدو تافهًا وسأخلع عباءة الجدية، سأتخلى عن لحظات سرقتها مُسبقًا من أجل صِدق هذه اللحظة، ولن أفكر في تخليدها من الأساس، سأتركها تُحركني على مزاجها. سأرقص رقصة لن أقدر على وصفها فيما بعد بالرقصة السعيدة لإنها لا تتمحور حول الفرح، ولا بالرقصة الصاخبة لأن الموسيقى لن تُصاحبها، سأخلق الموسيقى من الطبيعة حولي، ليس بالضرورة أشجارٍ وجذور وبحارٍ وعصافير مغردة، دَوَران محرك السيارة سيكون كافيًا. ولن أصنفها تحت تصنيف جغرافي كرقصة شرقية أو غربية، ولن تكون رقصة معروفة كالتانجو أو السالسا، ولن تقع تحت تصنيفات مثل البريك أو الإليكترونيك دانسينج. يومًا ما سأرقص بشكل حر، أكثر حرية من الرقص الحر ذات نفسه، وأكثر توسعًا من مصطلحات مثل الرقص المعاصر أو الرقص ما بعد الحداثي. مُجرد تحريك للأطراف بدون تفكير في الخطوات التالية.

 ارتجال وتحرر تامّين. كريحٍ تحرك الريشة في المشهد الأول لفيلم فوريست جامب.

قد تكون رقصة سخيفة، أو سيئة، أو مثيرة للشفقة، لن أخجل من جسدي أو من كلام الآخرين، وسأتقبل المشككين بزيف الرقصة وافتعالها بسعة صدر وابتسامة. ومهما تملّك الرقصة من خجل أو اضطراب، ومهما صاحب الرقصة من تريقة من الأصدقاء أو غيرهم إلّا أنني لن أهتم، حقًا. يومًا ما سأرقص رقصة واحدة، الأولى والأخيرة، رقصة لا تُوصَف إلا بفعل الرقص.


وقتها ستنظر لي أحداهن من بعيد، بملامح باردة، ليست كراهيةَ ولا حِقدًا ولا نكدًا، ولكن ربما لأن قلبها يحب الفرحة، ولكنه لا يحتملها كاملة، وقتها لن أهتم بأن أشرح لها ما أود تحقيقه فعلًا من هذه الرقصة، لأن القرار وقتها لن يكون لي. وقتها، سأُكمل فقط رقصتي لنهايتها، وأدعها لتتحسس موضع الألم الخفيف في قلبها.


-----
عنوان التدوينة هو حُبًا وعرفانًا وتريبيوت لرواية الكاتب علاء خالد التي تقع تحت عنوان "ألم خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر".

الجمعة، 15 مايو 2015

قررت أن تختبيء، ولكننا لا نبحث عنك



توقف عن الإدعّاء، حتى تتجنب الفضيحة.

أرجوك، لا تفتعل الحزن، لأنني نصحتك أكثر من مرة ولا فائدة، أخبرتك من قبل، قلت لك: "لا تذهب إلى الحفلة وحيدًا".

لا تجمع أشلاء نفسك، اتركها في غرفتك ومكان عملك، الحمل ثقيل، أنت تحتاج إلى شخصٍ آخر ليساعدك، وإلّا فلا تذهب.

أخبرتك... لا تذهب إلى الحفلة بدون صديق تشكي له تقّصُف شعر الفتاة الواقفة أمامك، لا تذهب إليها بدون مرافق يزعجك في اختيار المشروب المناسب في الاستراحة ويحرجك حينما يعتلي الكراسي ويُصفّر بفمه بصوتٍ عال.

أشفق عليك، وأعرف مدى تورطك في نفسك، توقف عن حُب الأشياء الصغيرة، واترك للآخرين قدرًا من الإضاءة الخافتة وألحان الجيتار لتنساب بينهم، لا تكن بهذا القدر من الأنانية، ولا تتوقع أن سعاد جاءت لتغني من أجلك فقط.

مسكين، حاول أن تُخفي مشاعرك المرهفة إلى حفلة أخرى أكثر صخبًا وأقل تأثيرًا، تحكّم في نفسك ولا تجعل عدة أغانٍ سببا لتوليد هذا القدر من المشاعر. صدِّقني لن يستوعب الناس دموعك في حفلة كهذه.

توقف عن التفكير في مظهرك، وأدع ربّك أن يُوقف قطرات العرق من الخروج. مسامك واسعة، وجلدك دهني، ودموعك مالحة وتستدعي معها القليل من مخاط أنفك، وهي أخطاء ليس لك دخل فيها، ولا للرب.

بقاءك داخل نفسك أمرٌ مؤلم، واستخدامك لصيغة المخاطب هي محاولة فاشلة ومثيرة للشفقة لتبعد أنظار الآخرين عنك.

أخبرتك من قبل: كُف عن توريط نفسك.

الاثنين، 4 مايو 2015

بالون أحمر عالق في السماء.


بخفة
تطير القصائد قاصدةً أطراف المدن
تَعلق بقلوب المراهقين
وتجبرهم على كتابة حماقاتهم الجميلة على الورق
تدفعهم لاتخاذ قرارات مصيرية
كابتلاع حبات المنوِّم قبل حلول منتصف الليل
أو احتضان الدواوين القديمة
أو الابتعاد عن الأصدقاء لفترة...
....                    
القصائد جميلة
كما المراهقين،
الذين لا يعرفون شيئًا.


--
إبريل، 2015

السبت، 7 مارس 2015

ربما يجب عليّ أن أتوقف عن استخدام كلمة ربما، وأبدأ في استخدام المزيد من علامات الاستفهام.



"عارف إنتَ الناس اللي بتقول إن احنا لازم نمسِك في اللحظة؟ مش عارفة، بس حاسّة إنه العكس، اللي بيحصل إن اللحظة هيّا اللي بتمسكنا.. بتستولى علينا.. "
       -  ريتشارد لينكلاتر، على لسان نيكول من فيلم Boyhood

يشغلني حاليًا ما هو أتفه بكثير من الأحداث التي تشغل العالم (لحظة واحدة من فضلك; أولًا أنا لا أعرف ما الذي يشغل العالم، اختياري الخاطيء للكلمات مشكلة لن أعالجها في وقتٍ قريب. ثانيًا: التأكيد على تفاهة الأمر اللي في دماغي لا يُنفي أهميته بالنسبة لي، بس لو فكّرنا فيها سنجد أن تتفيهَهُ هي خدعة مُقاوَمَة رخيصة تتمثل في الاعتراف بتفاهة الموضوع –أو تتفيهه، مش هتفرق- من قِبَلي قبل أن يفعل أحدهم هذا. نظرية كُل نفسَك).

إذن، دعوني أتنحى جانبًا، لأنزع عباءة ذلك الشيء الذي يكتب كلماتٍ لها معنى، أو ملهاش، ودعوني أتسائل كطفل يخطو خطواته الأولى في هذا العالم. دعوني أسأل نفسي، وأسألكم:

كيف تمر علينا الأيام هكذا؟ كيف يبدو مرور الأيام سلسلًا كنهرٍ جارٍ في أحيانٍ ومزعجًا كآلام المفاصل في أحيانٍ أخرى؟ إزاي بتتغير الناس مع مرور الزمن؟ وليه؟ لماذا يتقلّب الناس؟ ولماذا تتبدل القلوب؟ سواء للأحسن أو الأوحش؟ وقد إيه أنا وانتم اتغيرنا عن السنة اللي فاتت؟ عن الشهر اللي فات؟ عن إمبارح؟ عن ساعة فاتت؟

من أين يستمِّد الناس الصبر، واليقين، والرحمة، والأمل؟ ولماذا تثير الكلمات المُجردّة للمعاني الكبيرة جدلًا أكبر مما تحتمله معانيها الأصلية؟

كيف يجد الناس الجَمَال في الأشياء؟ وأين؟ وكيف يصنعونه، وإزاي كل واحد بيتذوق الجَمَال على طريقته؟ لماذا أجِد الجمال في أشياءٍ من قبيل أن يكتب أحدهم على حائط كوبري طريق الـNA أنه "مسجد الغابة الحجرية هُنا" مُتبعًا الجملة بسهمٍ للدلالة على المكان؟

إزاي بتتخلِق المزيكا الحلوة؟ الأفلام الحلوة؟ الصور الحلوة؟ الكتب الحلوة؟ وليه الناس بتتعب عشان تطلِّع لِنا كُل هذا القدر من الجمال؟ وكنّا هنعمل إيه من غيرهم؟ ولماذا ستنتهي حياتنا جميعًا قبل أن نُنهي لستة المزيكا والأفلام والكتب التي لا تنتهي بدورها؟ وبالرغم من حُبي للألوان ليه بحب ارتداء الغوامق؟ وليه بيجيلي أوفردوز من كُتر الألوان والجَمال؟ 

كيف تبدو لحظات بعينها مشرقة ومليئة بالتفاؤل الحقيقي والصادق؟ ولماذا تبدو لحظاتٍ أخرى وكأنها نهاية العالم؟ ولماذا وبالرغم من معرفتنا –الضئيلة- لآلية عمَل المُخ البشري إلّا أننا لا نزال غير قادرين على التحكم فيه؟ ولماذا يتنطط القلب في سعادة ومرح بينما الدماغ بوزه ضارب شبرين قدّام؟ لماذا يُصبح إيجاد التوازن بين الاتنين هو أصعب شيء في الكون؟ وهل التوازن ده ضروري أصلًا؟ ما نسيب القلب والمخ يعملوا اللي همّا عايزينه!

Le fabuleux destin d'Amélie Poulain

وبعدين كيف تفرض اللحظة سطوتها علينا لهذه الدرجة؟ كيف لموسيقى فيلمك المفضل أن تفرض نفسها كساوند تراك للحظات مُعينّة في حياتك؟ كيف لفيلمٍ أو كتابٍ أو جملة من صديق أن تغيِّر من تفكيرك أو تدفعك لاتخاذ قرارات جريئة، أو حمقاء؟ وإزاي وبعد أن تنتهي اللحظات الجميلة الفارضة لنفسها نجد أنفسنا وقد تحلّينا بما يكفي من الجَلَد الذي يسمح لنا بأن نُكمِل باقي لحظاتنا الفارغة لآخرها؟

كيف تبدأ الأشياء/العلاقات/الصداقات/الحواديت/الأغاني/الروايات/الرحلات، وكيف تنتهي؟

أعتقد أننا لن نجد إجابات نموذجية لهذه الأسئلة، قد لا نجد إجابات أصلًا. أيكون البحث عن الإجابات هو الهدف من كل هذه الحدوتة الكبيرة؟ 

ممكن..

بس حقيقًة. بجد. أنا فعلًا مستمتع بهذا الكوكب. أرجوك، استمر في الدوران أيها الكوكب الجميل.